«وداعاً يا مَن بالأعلى»... كوميديا سوداء عن ضحايا الحرب

من أجواء الفيلم (الحياة)
شريف صالح |

رشح فيلم «وداعاً يا من بالأعلى» لثلاث عشرة جائزة سيزار الفرنسية المعادلة للأوسكار. نال منها خمساً أهمها أفضل مخرج لألبير دوبونتل. ودوبونتل ممثل هزلي ومخرج وكاتب سيناريو، وضع كل مواهبه في هذا الفيلم حيث شارك في كتابة السيناريو إلى جانب لعب دور البطولة. ما الذي يمكن أن يقدمه ممثل هزلي في فيلم عن الحرب العالمية الأولى وتأثيرها في الضحايا؟ هذه مفارقة تُضاف إلى مفارقة أخرى، وهي أن الفيلم مأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه فازت بجائزة «الغونكور» الفرنسية المرموقة عام 2013، للكاتب بيير لوميتر. ليتكرر السؤال: ما الذي أضافه كاتب مثل لوميير اشتهر بالروايات البوليسية الخفيفة، إلى عالم الحرب... متفوقاً على روايات كلاسيكية عظيمة؟

الخفة الجارحة

في فوز الرواية بالغونكور، وترشح وفوز الفيلم بكل هذه الجوائز، إشارة مهمة على تميز معالجة القصة في الوسيطين. وهو تميز ينبع من طبيعة كاتب الرواية وصانع الفيلم معاً، فكلاهما لا يريان الحرب بنظرة تقليدية على طريقة الكلاسيكيات. وثمة توافق روحي بينهما، دفع دوبونتل لالتقاط رؤية لوميتر. إنها الخفة الجارحة، المرح الكامن في قلب المأساة. إرادة الحياة على رغم كل الموت العبثي.


ففصل مآسي الحرب عن التصور التقليدي، يتيح للمتفرج فرصة تأمل أفضل، من دون التماهي معها، ومن خلال الكوميديا السوداء تتحول الحرب إلى «مهزلة» وهذا وجهها الحقيقي بالفعل، ما يدفع المتفرج إلى التمسك بقوة بكل لحظة في الحياة، وعدم الانجرار وراء تجار الموت مهما كانت شعاراتهم.

الصعلوك ألبير

عرفت ثقافات العصور الوسطى فئة الشطار والصعاليك، ممن يتمردون على الأعراف الأخلاقية للسلطة، ويعيشون بالحيلة والمغامرة واللصوصية. ويأتي شريط دوبونتل ليعيد الاعتبار لبطل العصور الوسطى، وحكايات الصعلكة العجائبية. فهو كل يوم في مكان، من الحرب إلى المغرب إلى باريس. وكل يوم في مهنة، وكل لحظة في مغامرة أو مخاطرة.

إنها بنية تفتقر إلى الصرامة العقلانية لكنها لا تفقد تأثيرها العاطفي، وتجد جذورها في كتب «ألف ليلة وليلة» و «حكايات الديكاميرون». فكل شيء يتمحور حول البطل، والمصادفات تُحاك من أجله، كعقبة أو مكافأة، وسلوكه الاحتيالي لا يؤثر في سلامة قلبه، وكونه لصاً صغيراً مجرد وسيلة لفضح اللصوص الكبار.

شخصية صعلوكية بامتياز في تصرفاتها، وتمردها، وملابسها، وتواضع أحلامها، وعاطفتها الإنسانية العميقة، ونجح دوبونتل ممثلاً، في تجسيدها بسلاسة على مدار ساعتين إلى درجة عدم الملل من إطلالته في كل المشاهد تقريباً. كما كان الشريط موفقاً بجعل البطل هو نفسه الراوي، فمنذ المشهد الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1920 يظهر معتقلاً في المغرب، ويقوم رجل فرنسي ذو رتبة عسكرية كبيرة بالتحقيق معه، ليجبره على استعادة قصته التي تستغرق نحو عامين، وصولاً إلى لحظة اعتقاله. ولعل تلك الحيلة السردية مأخوذة في الأساس من الرواية.

ومع نهاية كل مقطع سردي، تعود الكاميرا إلى «ألبير» الصعلوك في غرفة التحقيق الضيقة، فيما يبدو أن لذة الحكي استلبت قلوب المحققين، وأنه يتجه- عبر قوة الحكي- للسيطرة عليهم، والتحرر من أغلاله. وإن لم تتضح منذ البداية الجريمة التي أدت إلى اعتقاله.

لعبة القناع

على رغم ارتكاز السرد على «ألبير» لكن كل مغامراته كانت دفاعاً عن معنى الصداقة، وعن رفيق السلاح «إدوار» (نويل بيريز). فعندما كانت الحرب العالمية على وشك الانتهاء، جاءت أوامر بالتهدئة، لكن قائد الوحدة العسكرية «براديل» (لوران لافيت) لا ترضيه تلك النهاية، هو الذي يريد موقفاً بطولياً يعزز مكاسبه في ما بعد، فيأمر اثنين من جنوده للخروج والاستطلاع، وفجأة يُسمع إطلاق نار، ويرى الجميع الجنديين مقتولين. فكانت حالة هلع دفعت الفصيلة للاشتباك في معركة خاسرة. في تلك اللحظة كان «ألبير» يجلس مع صديقه الرسام الموهوب «إدوار» وهما مؤمنان بأن «الموت في النهاية أغبى من الموت في البداية».

أثناء الاشتباك يكتشف «ألبير» أن زميليه قُتلا بالرصاص من الخلف، ما يعني أن «براديل» قتلهما عمداً- وليس العدو- لإثارة الذعر ودفعهم جميعاً للقتال، من أجل مجده الشخصي! ويكتشف «براديل» أن «ألبير» كشف سره، فيحاول قتله لكنه يسقط في حفرة بها حصان يحتضر يكون سبباً في حياته، ويحاول صديقه «إدوار» إنقاذه فيصاب بشظية تطيّر فكه الأسفل بالكامل. يسعى «ألبير» بكل قوة لإنقاذ صديقه ويرفض طلبه بأن يقتله. ومع إصراره أنه لا يريد رؤية أبيه وهو مشوه الوجه، يتفق الاثنان على تبديل هويته بأحد الضحايا المفقودين، كي يعود إلى الحياة باسم آخر، بعيداً من أسرته. حين تأتي شقيقة «إدوار» لرؤية جثمان أخيها، يتواطأ «ألبير» و «براديل» على خداعها، بما يضمن حصول «إدوار» على هوية مزيفة، وعدم تبليغ ألبير عن جريمة «براديل» بقتل الجنديين.

بيد أن تشبيك القصة لا ينتهي عند هذا الحد، فوالد إدوار الحاكم المتنفذ الثري، لا يصدق تلك الرواية، ويستدعي «ألبير»، كما يساعده في الحصول على عمل. وهناك في القصر يكتشف وجود «براديل». كأنه قدر في الحرب، وبعد الحرب أيضاً، حيث تزوج من أخت إدوار طمعاً في ثروة ونفوذ أبيها، إضافة إلى تورطه في عمليات استغلال لدفن ضحايا الحرب في مقبرة عسكرية، والمتاجرة بهم.

أما «إدوار» الشاب الرسام المرهف، فاختار أن يحيا في الظل مع رسوماته، تساعده صبية صغيرة من يتامى الحرب، وتترجم إشاراته إلى الآخرين. كما رفض إجراء جراحة تجميلية لفكه، مفضلاً الاختباء وراء مجموعة من الأقنعة الخلابة والغريبة.

لا شك أن تنوع أقنعة «إدوار» جمالياً ودرامياً، كان دالاً على تنوع حالاته الروحية، كما إن فلسفة القناع في تحييد ملامحه، تعزز من حضور الروح المعذبة وراء أقنعة لا تخصها. والأمر هنا يشبه قصة «الرجل ذو القناع الحديدي» لإلكسندر دوما، حيث إخفاء الوجه معادل لإبراز شفافية الروح.

ولا بد أن يستدعي الطابع الآسيوي لمعظم الأقنعة، أحد أشهر الأفلام الصينية «وداعاً محظيتي» للمخرج كانغ شين، والذي يتناول أيضاً صداقة عميقة لرجلين، أحدهما مُقنع والآخر من دون قناع، أيضاً دارت قصتهما في أجواء الحرب، بل إن التشابه يفرض نفسه على مستوى العنوانين.

إدانة ما بعد الحرب

لا يكتسب الشريط قوته فقط من تلك الخفة الجارحة، وصعلكة البطل، وأقنعة البطل الثاني، بل أيضاً من عدم انشغاله بإدانة الحرب ذاتها، فهذا أمر مسلم به... وإنما من الانشغال الجدي/ الهزلي، بإدانة «عالم ما بعد الحرب»... عالم توزيع النياشين والمناصب على ذوي الرتب، وتدشين النصب التذكارية للشهداء، وتجاهل الجنود الصغار ممن عادوا للحياة، بلا أرجل وبنصف وجوه ونصف أرواح. ليكتشفوا أنهم فقدوا وظائفهم وحبيباتهم، وعاشوا أقرب إلى المتسولين في الشوارع.

فهل سينجح «ألبير» في النجاة من ورطة اعتقاله كما نجح في إنقاذ نفسه على الجبهة؟ هل سيقدر «إدوار» على مواجهة أبيه وهو مشوه الوجه؟ هل سينال «براديل» عقابه المستحق كممثل لفساد السلطة في الحرب والسلم على السواء؟! بغض النظر عن الإجابة، فإن عشرات التفاصيل الساخرة التي مررها الشريط، أنجزت دورها في إدانة منظومة ما بعد الحرب، وكشفت نبل من عادوا منها فلم يجدوا لهم مكانة على منصة التتويج والبطولة... بل اكتشفوا أن من استغلوهم على جبهة القتال هم أنفسهم يعاودون استغلالهم في ما تبقى لهم من حياة.