وجوه وزوايا علي أبوشادي

غلاف الكتاب
القاهرة - محمد عويس |

تعددت أعمال الراحل علي أبوشادي ووجوهه، ما بين الناقد والباحث والمؤرخ السينمائي، وقد تولى عدداً من المناصب القيادية آخرها الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر للسينما والإنتاج الإعلامي، كما تولى رئاسة المهرجان القومي للسينما ومهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، وترأس وشارك العديد من لجان التحكيم المحلية والعربية والأجنبية.


واليوم بعد رحيله المؤسي بشهور يقدم أبوشادي في كتابه «وجوه وزوايا» (مؤسسة بتانة للنشر) صورة مقربة لعدد من الشخصيات التي كان لها دور في السينما المصرية عبر تاريخها، وسعت إلى الارتقاء بها باعتبارها من روافد الثقافة الوطنية. وجاء معظم خيارات أبوشادي لشخصياته هذه تثميناً لدورها الفاعل والمؤثر في تغيير وجه الفن السينمائي كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً ونقداً سواء في السينما الروائية أو التسجيلية.

البداية مع يوسف شاهين، الذي صنع حياته على الشاشة بكل مافيها من نجاح وفشل، وخلق علاقة صحيحة بين الذاتي والموضوعي خلال رحلته الإبداعية مع السينما والتي استمرت خمسة عقود ساهم فيها بتغيير وجه السينما العربية، وكان بمثابة الأب الروحي لها والمؤسس لكل محاولات التجديد فيها، على رغم بعض التشوش في تراكيبها الدرامية ولغتها السينمائية وبعض القصور في فهم الواقع الذي شاب بعضها. كما وفق في إعادة قراءة الماضي بعيون الحاضر، ومحاولة استجلاء الحاضر وفهمه في ضوء الماضي. وتناول عشقه للإسكندرية وانتماءه لثقافتها: ثقافة التسامح ورفض النزعة القومية الضيقة.

أما نجيب محفوظ فسيظل محتلاً مكانة رفيعة في السينما تعادل مكانته الأدبية حيث استطاع عبر كتابته المباشرة للسينما أن يقدم رؤيته للواقع راصداً ومفسراً أو محللاً للظروف التي تساهم في تشكيل الواقع من خلال صياغة درامية وفنية محكمة، ولا خلاف على دوره في تغيير وجه السينما في مصر ونجاحه في فتح دروب جديدة في الكتابة السينمائية، حيث كانت السينما الروائية المصرية منذ ولادتها المتعسرة في منتصف العشرينات حتى منتصف الأربعينات لاهية عن التعامل مع الواقع بظروفه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية منشغلة بمشكلات الأغنياء باستثناء بعض الأعمال القليلة التي حاولت أن تقدم رؤيتها للواقع متدثرة بالتاريخ، مثل فيلم (لاشين) أو من خلال الواقعية الشكلية (العزيمة) واقعية الحارة عند كمال سليم حتى وصلت إلى ذروتها الحقيقية لتضع أول لبنة في التيار الواقعي في فيلم(السوق السوداء) عند كامل التلمساني.

ويرى أبوشادي أن سينما كمال الشيخ ستظل نموذجاً فريداً لإحكام الصنعة واحترام عقل المشاهد والبعد عن الترخص والابتذال، وهو بفيلمه (حياة أو موت) سيظل النموذج الأكثر اكتمالاً للتعبير عن أسلوبه ورؤيته للواقع والسينما، حيث تتجلى قدرته على إثارة نوازع الخوف والشفقة والهلع والترقب والتمني عند المشاهد، واستحواذه بينما وصل إلى قمة نضجه وعطائه بفيلم (على من نطلق الرصاص).

أما توفيق صالح والذي شغل مكانة رفيعة في تاريخ السينما في مصر والعالم العربي، على رغم أن قائمة أفلامه لا تضم سوى سبعة أفلام روائية طويلة وعشرة أفلام تسجيلية أنجزها في الفترة من 1955 وحتى 1980 حيث توقف بعد ذلك عن الإخراج لأسباب بعضها شخصي وأكثرها موضوعي، فإن فيلمه «المخدوعون» (1973) من إنتاج سورية، وعن رواية غسان كنفاني (رجال تحت الشمس) فيعدّ أحد كلاسيكيات السينما العربية في القرن العشرين، إذ جاء الفيلم خاتمة لخبرات صالح ومحصلة ثمينة لأعماله السابقة، وانعكاساً لإيمانه القوي بدور السينما كأداة تعليمية، وتحريضية في مجتمع يعاني التخلف والأمية.

وفي تناوله المخرج رضوان الكاشف يشير أبو شادي إلى أنه حفر مكانته على خريطة السينما المصرية والعربية، وحصل على أكثر من عشرين جائزة محلية ودولية عن فيلميه «ليه يا بنفسج» و «عرق البلح». ويشير أبو شادي إلى أن أول هذين الفيلمين تميز بالطزاجة والحيوية في تناوله عالم المهمشين الذين اغتربوا داخل الوطن فعاشوا حياتهم بطريقتهم وخلقوا لأنفسهم أعرافاً وتقاليد خاصة بحثاً عن لحظات بهجة شاردة، فيما قدم الثاني لهؤلاء الذين اغتربوا- قسراً- بعد أن ضاق عليهم الوطن ثم عادوا محبطين مهزومين بعد أن تبددت أحلامهم وارتبكت عائلاتهم عبر لغة سينمائية متفردة تتميز بالثراء السمعي والبصري.

وقد تناول أبوشادي أيضاً في مقالات أخرى: سعاد حسني (بلاغة الأداء من «نعيمة» إلى»الراعي والنساء»)، يحيى حقي (ناقداً سينمائياً)، رفيق الصبان(شاعر النقد السينمائي)، عبدالقادر التلمساني (الفنان المؤسسة)، سعيد شيمي(راهب التصوير السينمائي)، أنسي أبو سيف (مخرج المناظر)، صلاح التهامي (كتابة تاريخ مصر بالسينما).