«مسرح المواجهة» المصري لتفعيل البعد الثقافي لـ «المعركة»

جمهور العرض (الحياة)
القاهرة – أحمد رحيم |

في قرية ماريس التابعة لمركز «إسنا» في الأقصر (جنوب مصر)، خرجت نسوة يرتدين «الحبرة» (زي تقليدي يُغطي جسد المرأة من رأسها حتى قدميها)، وجلسن في ساحة القرية يشاهدن العرض المسرحي «ولاد البلد» من إخراج محمد الشرقاوي.


السيدات اللاتي تظهر في وجوههن قسوة الحياة ويبدين صلابة معروفة عن أهل الصعيد، أقبلن بشكل لم يكن متوقعاً على الوافد الثقافي الجديد في القرية، التي يدين نحو 40 في المئة من سكانها بالمسيحية، وخرجت نسوتها من منازلهن للمرة الأولى إلى ساحة مسرح، وليس دار عزاء.

المسرحية التي أنتجها البيت الفني للمسرح التابع للدولة، تتناول مشكلات متجذرة في المجتمع المصري عبر لوحات فنية تمزج بين السخرية والجد في مناقشة مشكلات تحرير سعر الصرف وما تبعه من زيادات في الأسعار، والفساد المستشري في مؤسسات حكومية، وقانون الخدمة المدنية الذي يُقلق ملايين من موظفي الجهاز الإداري في الدولة، وتهجير الأقباط من مدينة العريش وما تبعه من مشكلات اجتماعية لمئات الأسر، والهجرة غير الشرعية التي تبدو أقرب إلى الانتحار.

كل تلك المشكلات يعيشها أبطال العرض المسرحي، وهي مشكلات الجمهور ذاتها، وفي النهاية ينصهر كل الأضداد وأصحاب الآراء المختلفة حول تلك القضايا في «بوتقة الجيش»، بعدما يصبحون جنوداً في المعركة ضد الإرهاب.

المسرحية جالت 12 قرية في الأقصر، بعد أن عُرضت في أقصى الجنوب في حلايب وشلاتين على الحدود المصرية - السودانية، وطافت في وديان سيناء، وصحاري البحر الأحمر.

لم تكن تلك التجربة الأولى من نوعها لتجوّل عروض في قرى تُنتقى بدقة لتحقيق هدف نوعي، فقبلها عرضت مسرحية «عاشقين ترابك» التي تطرح ملمحاً لمواجهة فكر التطرف والإرهاب، في شارع في المحمودية في البحيرة شمال مصر، بجوار منزل مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين» حسن البنا، وفي قرية «طامية» في الفيوم حيث انتشر فكر «الشوقيين».

نجاح التجربة دفع وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم إلى إنشاء «شعبة مسرح المواجهة»، على أن تتبع المسرح الحديث. وأسندت إدارة الشعبة إلى المخرج محمد الشرقاوي، الذي قاد تجربة اختيار مسرحيات معينة تُناقش قضايا مجتمعية لعرضها في قرى يتم اختيارها لأسباب نوعية، كأن تكون ضمن حزام التطرف أو الطائفية.

وقال الشرقاوي لـ «الحياة» إن هدف الشعبة الوصول إلى جمهور «نوعي» مستهدف برسالة محددة، لافتاً إلى أن وزارة الشباب وهيئة قصور الثقافة، وأيضاً إدارة الإعلام في وزارة الداخلية ومؤسسات المجتمع المدني، تبذل جهوداً ضمن هذا المشروع الثقافي المهم. وأوضح أنه يسعى إلى إنشاء ورش عمل تُصاحب العروض المسرحية لتعليم أبناء الريف والقرى كيفية صناعة المسرح، كي يصبحوا خط الدفاع الأول في مناطقهم ضد أي أفكار ظلامية أو متطرفة.

ولفت إلى أن العروض التي يتم اختيارها تتميز بأنها تناقش قضايا مصرية خالصة، مثل المواطنة أو الأفكار الأصولية المتطرفة، فضلاً عن أن أماكن العروض تكون منتقاة بدقة، وغالباً تكون عانت من المشكلة التي يتناولها العرض. وأضاف أن المشروع يسعى الى تعظيم الاستفادة من الفراغات المفتوحة من أجل نشر المسرح في المجتمع، لافتاً إلى أنه فوجئ بإقبال أهل الصعيد والريف على عروض المسرح. وقال إن المشروع يعتبر إدماج لقطاع الثقافة في حال المعركة التي تخوضها، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.