العولمة والمشروعيّة الدينيّة للدولة الوطنيّة

سيد إسماعيل ضيف الله |

عادة ما نستخدم في شكل آلي، تلك العبارة الدالة على شعور داخلي بالخوف من الإعلان عن مسؤولية الفرد عن الأسئلة التي يطرحها على الآخرين، فنحيل في شكل بلاغي مقبول ثقافياً مسؤولية طرح الأسئلة على الأسئلة نفسها، فنقول: «والسؤال الذي يطرح نفسه هو...». وعلى رغم التواطؤ المجتمعي تاريخياً مع ثقافة تلك البلاغة، فإن الكامن في العبارة المتواترة تقرير أن السياق النصي والثقافي يفرض طرح سؤال محدد ولا يمكن تأجيله. وقد جرت العادة أيضاً ألا تطرح الأسئلة نفسها إلا بعد أن يكون الواقع قدّم إجاباته عليها، ليصبح الغرض من طرح السؤال ليس الدعوة الى التفكير والعصف الذهني بين مجموعة من المنشغلين بالسؤال في واقع مجتمعي محدد، وإنما صبغ الإجابة التي قدمها الزمن وفرضها التطور التاريخي للمجتمعات بصبغة نظرية. ولعل المتأمل في تاريخ الخلافة الإسلامية يدرك أن الأسئلة حول المشروعية الدينية لشكل الحكم السائد عبر التاريخ الإسلامي، وهو شكل الخلافة، لم يكن حافزاً لأي فقيه لأن يطرح سؤالاً حول المشروعية الدينية له ما دام فرضه الواقع وتمكّن الحاكم من فرض سيطرته على الأرض، لا سيما أنه لم تكن للمسلمين في العالم العربي - في بداية التاريخ الإسلامي - خبرات محلية تقدم أشكالاً متعددة لنظم الحكم. فلم يقدم السياق التاريخي سوى إمكان المراوحة والمزاوجة بين مفهومي الخلافة والملك أو السلطنة أو الإمارة. ومع سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في العام 1924، لم يكن مفهوم الدولة الوطنية واقعاً ضمن أفق الخيال السياسي لأي من الولاة والأمراء التابعين للخليفة التي سقطت خلافته، بل كانت استعادة الخلافة في حدود ولايته هي المُتخيّل السياسي الوحيد أمامه، وفي ضوء هذا السياق التاريخي والأفق السياسي المحدود كانت خطوات الملك فؤاد في مصر نحو تنصيب نفسه خليفة للمسلمين مدعوماً بمشايخ الأزهر الحالمين بالحفاظ على الشكل الوحيد الذي عرفوه، فعرفوا به، وله معنى الشرعية الدينية لنظام حكم سياسي. لم يكن هذا الأفق السياسي حاكماً لمصر وحدها وقتئذ، وإنما طاول جلّ الولايات التي كانت خاضعة للخلافة التركية، لكن من حلم بتوطين الخلافة في حدود مملكته عدد محدود، منهم ملك مصر فؤاد وملك الحجاز حسين بن علي، والملك الأفغاني أمان الله. استمر نظام الخلافة نظاماً أساسياً على مدى ثلاثة عشر قرناً في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي، لذلك كان من الطبيعي أن يخلف سقوطه جدلاً واسعاً حول مشروعية أي بديل له، ليس لأن البديل لا يمكن العثور له على أسانيد شرعية، وإنما لأن الواقع لم يفرض نفسه ويختبر قوة هذا البديل في تسيير أمور الناس بكفاءة. ومن هنا، كانت صعوبة مهمة الشيخ علي عبدالرازق في معركته مع مشايخ الأزهر، والتي أثارها كتابه «الإسلام وأصول الحكم». ففي الوقت الذي كانوا يدافعون عن كفاءة نظام الخلافة في إدارته شؤون واقعهم تاريخياً دفاع من لا يعرف لهذا النظام بديلاً سوى الفوضى، كان الشيخ علي عبدالرازق يحاول أن يضفي الشرعية الدينية على مجهول من أنظمة الحكم غير المعهودة لهم مكانياً وزمانياً، وأن العبرة بكفاءة هذا النظام أو ذاك في تحقيق مصالح العباد والحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم.


ومن هنا كان السؤال حول المشروعية الدينية لأي بديل للخلافة سؤالاً فرض نفسه عام 1924، واستمر يفرض نفسه على بعض الجماعات الدينية التي تجمّدت وتقوقعت داخل حلم استعادة الخلافة ورفضت أن تنظر في الواقع لترى ما جرى فيه من تغيرات محلية وعالمية، لكن السؤال الذي أطرحه هنا: ما الذي يدفع وزير الأوقاف المصري الحالي محمد مختار جمعة الى أن ينشر في العام 2018 كتاباً بصفته الرسمية ومن إصدارات وزارة الأوقاف المصرية يحمل عنوان «مشروعية الدولة الوطنية»؟ إن البحث عن مشروعية دينية للنظام الذي حلّ محل نظام الخلافة الساقط منذ ما يقرب من قرن، يختلف من نواحٍ عدة عن مهمة الشيخ علي عبدالرازق. فشكل الدولة الوطنية لم يسقط رسمياً بعد، وبالتالي فدور الفقيه وهو في موقع المسؤولية السياسية هنا، البحث عن مشروعية دينية لنظام قائم بالفعل في مواجهة أحد أمرين، إما نظام الخلافة الذي سقط أو نظام يراه مهدداً لشكل الدولة الوطنية لم يكشف عن نفسه بعد.

إن الملحوظ هنا أن منجزات الواقع للدولة الوطنية بعد ما يقرب من قرن، لم تقنع وزير الأوقاف المصري نفسه بأنها كافية وحدها لأن تكتسب مشروعيتها من منجزاتها وكفاءتها في إدارة شؤون حياة المواطنين، وأن ثمة حاجة ملحة الى إضفاء مشروعية دينية داعمة لإقناع طيف من هؤلاء المواطنين المعلّقة أفئدتهم في شكل للحكم كامن في الماضي. ومن المتوقع ألا يكون شاغل وزير الأوقاف في خطابه الديني الموجّه الى قراء منشورات وزارة الأوقاف المصرية، هو التفكير في طيف آخر من المواطنين أخذتهم العولمة كمشروع سياسي واقتصادي وثقافي من الدولة الوطنية إلى أفق خيال سياسي مختلف تماماً، لكنه قد لا يقل تهديداً للدولة الوطنية كشكل للحكم من تهديد الشكل الأقدم للأممية، وهو شكل الخلافة. لكن يبدو أن الخوف من العولمة تسرّب إلى خطاب الوزير في شكل آلي ليضاعف من شيطنة أعداء الدولة الوطنية المتخيلين سياسياً باعتبارهم أصحاب تصوّر آخر لنظام للحكم مهدِّد لوجود الدولة الوطنية، حيث تتضافر فيه العولمة الغربية الحديثة مع الأممية الإسلامية التركية القديمة.

يمكن القول إن الفصل بين ما هو محلي وما هو عالمي أصبح غير مقبول عند النظر في أي خطاب أو قراءة لأي حدث أو ممارسة لأي فعالية في عالمنا المعاصر. ومن هنا، تبدو أهمية إشارة المنظِّر الثقافي البريطاني تيري إيغلتون في كتابه «الثقافة وموت الإله» إلى ما قامت به الرأسمالية الغربية من استنزاف القيمة والمعنى من الوجود الاجتماعي في الغرب، وأن يقين الغرب الرأسمالي بانتصاره في الحرب الباردة الغربية وما صاحبَه من تغييرات سياسية حول العالم، أعلن نهاية سردياته الكبرى بينما كانت الأصولية الإسلامية والمسيحية على السواء في الشرق والغرب تعلن بداية تبلور سردياتها الكبرى مستفيدة من نظام رأسمالي عولمي يرعى إعادة إنتاج العلمانية والأصولية في آن. إن السؤال الذي يطرح نفسه، هل السياق الرأسمالي العولمي المتأخر يمكن أن يجدد الدماء في مشروعات أممية أصولية تهدد الدولة الوطنية كشكل للحكم ما زال يبحث فقهاؤه الجدد عن مشروعية دينية بعد ما يقرب من قرن من سقوط الخلافة؟