صور مصرية نادرة لمكة المكرمة ومشاعر الحج

خالد عزب |

قامت مكتبة الإسكندرية أخيراً بعرض مجموعة نادرة من الصور تعود إلى عام 1908 لمكة المكرمة والمدينة المنورة ومشاعر الحج.


وأشار المختصّون إلى أي مدى توحي بدايات التصوير في الجزيرة العربية بأفكار منحازة ونمطية تنبع من وجهة نظر خارجية آتية من بعيد، خصوصاً عندما تكون تلك نظرة غربيين ومستشرقين: كتصوير المراكب الشراعية وغواصي اللؤلؤ في الخليج العربي، وهي موضوعات مفضلة لدى هنري دي مونفرد Henry Monfried، مع البدو وجمالهم في الصحراء، والفرسان العرب وخلفية الكثبان. كان ذلك يشكل موضوعات شائعة لديهم آتية من مخيلة ترغب وتسعى وراء كل ما هو غريب.

ولتذكر هذا التوجه في شكل أفضل، تكفي قراءة الأسطر الأولى من رواية جرفيه كورتيلمون حول رحلته إلى مكة: «ما وراء الشرق المعروف لدى الأوروبيين، هناك، بعيداً في قلب الجزيرة العربية، في غموض الصحارى العميقة وأسرارها، المحيطة بها، توجد المدينة الإسلامية المقدسة مكة، حيث تختفي في قاع واد بري مطوق بسلسلتين من جبال حادة وقاحلة، كما لو شاءت الطبيعة أن تتواطأ مع الإيمان الإسلامي، لتخفي عن أنظار غير المؤمنين أسراراً محفوظة بعناية.

لقد كانت رغبتي في اختراق لغز المدينة المقدسة... إلخ». لكن مجموعة صور الدكتور محمد حسيني سلمت تماماً من هذا الخطر، لأنه كان مرافقاً الحجاج بطريقة يمكن وصفها بمهنية بارعة. فبصفته نائب القنصل، كان عليه أولاً حل مشكلات عدة، منها تحصيل تأشيرات على الجوازات، وضمان سلامة الحجاج وحمايتهم أيضاً من احتمال الإصابة بالأوبئة. إنها بعض موضوعات رئيسية تعطي بنية خاصة لمجموعة الحسيني. فمجموعة الحسيني كما هي معروضة في باريس تتكون من 81 مطبوعاً على الورق، ما يتيح لنا مرافقة الحاج من لحظة ركوبه السفينة في الطور (في مصر) حتى وصوله إلى مكة. وكلها بالحجم ذاته (8 في 13 سم)، باستثناء واحدة وهي الأصغر.

وللصور نوعيات متباينة. فعلى الأرجح التقطها شخص هاو، ربما يكون استعمل جهازاً قابلاً للطي مع عدسة بؤرية طويلة، مزودة بزر هوائي عرموطي الشكل. وطبقاً للخبراء، إن هذه الصورة هي صورة شخصية التقطها لنفسه الدكتور الحسيني، كما أن هنالك شروحاً بخط اليد وبقلم الرصاص (باللغة العربية) على ظهر الصورة تسمح بمعرفة الأماكن التي زارها. فالصور المختارة من مجموعة الحسيني وعددها 53 صورة تمثل معظم الموضوعات الرئيسية لمجموعة صور الحسيني، والتي تضم سبع صور تخص السفن والرحلة في البحر. وطبقاً لتقارير معاصرة لذلك الزمن، فإن السفينتين هما: «النجيلة» و «الرحمانية»، وهما بخاريتان تتسع كل منهما لحوالى 500 راكب. وخمس صور تبين الوصول إلى جدة، حيث نستطيع رؤية المباني الحكومية، وحيث ينتظر الجمهور بصبر إتمام المعاملات الإدارية، وطاقم النوتية الذي كان يؤمن نقل المسافرين من السفن إلى الأرصفة. فلأن حاجز الشعب المرجانية كان يمنع السفن من الرسو، كان ضرورياً استعمال قوارب هبوط صغيرة تدعى «سنبوك».

وكانت هذه المرحلة من الحج مصدراً دائماً للمشكلات، إذ كان النوتية لا يترددون في استغلال الموقف لتحصيل مبالغ من المال من الحجاج الفقراء الذين لا خيار لهم إلا تحمل شروطهم. وست صور تساعدنا في تتبع طريق السفر بين جدة ومكة (نحو 90 كم) أي ثلاثة أيام من السفر. و14 صورة تبين الأماكن المقدسة ذاتها: وادي منى، ومكة والكعبة وأخيراً جبل عرفات. و12 صورة للمحمل، تبين 9 منها أصحاب المقامات الرفيعة المرافقين الحج: أمير الحج المصري مع الطبيب المرافق والحاكم العثماني في جدة، وحاكم الحجاز، وممثل شريف مكة وحراسهم. إضافة إلى أن المجموعة تبين طرق الحجاج وممراتهم أثناء وصولهم بحراً إلى ميناء جدة. فقد كان خط السير التقليدي للحجاج الآتين من شمال أفريقيا ومصر. فكانوا يتجمعون من كل مكان، لقرون خلت، في القصير أو عيذاب، على البحر الأحمر. ومن هناك، يركبون الفلائك حيث يتعرضون لأخطار كما هو مبين في الحوليات القديمة، كابن جبير، مثلاً. ففي عام 1247 للهجرة، افتتح طريق وأصبحت قناة السويس ميناء السفر إلى جدة، حيث يلتقي الحجاج مع القوافل القادمة من إسطنبول ودمشق التي كانت قطعت ما مجموعه 1300 كم، يرافقهم الجنود لضمان عدم تعرض مقتنيات القوافل الغنية للسرقة، وغيّر وصول السفن البخارية في عام 1858 كل شيء، بحيث أصبحت السويس وجدة محطتين لتجمع حجاج الهند وسومطرة، ويمكن استشفاف ذلك على السفن المصورة في هذه المجموعة. بينما كان حجاج تركيا وسورية يواصلون السفر براً، حتى بدأ استخدام القطار اعتباراً من عام 1902، عندما كان يجري مد سكة حديد الحجاز التي ستربط مكة بالمدينة المنورة في عام 1908. إن خط سكة الحديد الذي لم يكن أكثر أمناً، لم يصل قط إلى مكة، وقد دمر في شكل كبير من الثورة العربية الكبرى أثناء الحرب العالمية الأولى.

وطبقاً لما ورد في تقرير الدكتور صالح صبحي، المشرف الصحي على الحجاج، استمر وصول 200 ألف حاج من طريق البحر في عام 1908 – 1909، على رغم وصول سكة الحديد إلى المدينة المنورة. ومن جدة كان لا يزال من اللازم عبور 90 كيلومتراً للوصول إلى مكة، وعلى كل حاج أن يرتدي ملابس الإحرام (ما لم يفعل ذلك من قبل) ويشرع في السير في قوافل كبيرة عبر أماكن مقفرة، سواء مشياً على القدمين أو ركوباً. وكانت السبل التي يسلكونها تختلف أحياناً بحسب الصراعات التي تقوم بين مرافقي الحجاج والقبائل التي يجتازون أراضيها على طول الطريق.

ووفقاً لرفعت باشا، فإن الاضطرار إلى سلوك طريق أطول يزيد من كلفة إيجار الجِمال. وعندما يصل الحاج إلى مكة، يتبع مسارات معينة تحويها مجموعة الحسيني في صور عدة، خصوصاً في منى وعرفات. ثم يعود الحجاج إلى مكة، ويتوقف كثر منهم في طريق العودة، في المدينة المنورة. ومع أن ذلك التوقف ليس من متطلبات الحج، إلا أنه أصبح ممارسة شائعة، لأن المدينة المنورة هي مكان قبر الرسول. كثير من صور الدكتور الحسيني توضح طابع التجول في الحج. الأغنياء والفقراء على السواء يشاهدون جنباً إلى جنب، كلهم يسيرون في بيئة قاحلة مندفعين، تجمعهم رغبة واحدة هي الوصول إلى الأماكن المقدسة.

ولنأتي إلى عام 1908، حيث ازداد عدد الحجاج إلى مكة كثيراً. بضعة آلاف من خلفيات مختلفة يعيشون معاً أسابيع عدة. وهذا ما يطرح مشكلات يمكن أن تستشفها عين المصور الحاذقة. وما إن يتم الصعود إلى الباخرة، حتى يقف الطبيب الدكتور سليمان بك أمام آلة التصوير برفقة البعثة الصحية المصرية إلى الحجاز، وكذا في النهاية أثناء استقباله أمير الحج.

ويلاحظ أن الاهتمام بالصحة بات ضرورياً بعد انتشار وباء الكوليرا. ففي عام 1865، كان عدد ضحايا الكوليرا عشرين ألف حاج في مكة وحدها، ومن هناك انتشر الوباء في العالم كله، وبلغ عدد الضحايا أكثر من 200 ألف شخص. ونظراً إلى أن مكة أصبحت «محطة لنقل الكوليرا» بين البنغال وبقية أنحاء العالم، عقدت مؤتمرات عالمية بين 1866 و1894 وتقرر إنشاء أماكن حجر صحي، لفحص الحجاج.

وكانت مصر، بسبب مرور عدد من الحجاج عبر أراضيها، حريصة على الاهتمام بهذه المسألة، فقامت بتكوين لجنة الحجاز الصحية وكانت ترافق الحجاج، وقامت في عام 1877 بافتتاح محجر صحي في مدينة الطور الواقعة على البحر الأحمر. وفي الناحية الأخرى من الشاطئ كان هناك مستشفى مدينة الوجه وفيه كان يتم تعقيم ملابس الحجاج في قدور ويعالج المرضى أطباء مختصون في الأمراض المعدية.

وفي كل عام، كان كل من مجلس الصحة البحرية والحجر الصحي المصريين، يكتبان تقريراً مفصلاً عن مسار الظروف الصحية أثناء فترة الحج. وهكذا، تمّ في عام 1908 استقبال أكثر من 30 ألف حاج في مستشفى الطور. وإن لم يحدث في تلك السنة وباء طاعون أو كوليرا، لكن مرضَي الجدري والجذام استمرا في التفشي المدمر.

من هنا، كان اهتمام المصور ببِرك عين زبيدة، حيث كان الحجاج يروون عطشهم خلال الطريق، وبهذا يعرضون صحتهم إلى الخطر لأن البعض منهم، وقد أعياهم الحر وإرهاق الطريق لم يتمكن من مقاومة تجربة الاستحمام في تلك البرك. ولفت ذلك انتباه رفعت باشا والمصور محمد علي سعودي. ولم تحل المشكلة إلا مع قدوم المملكة العربية السعودية الفتية التي عملت على إيجاد حلول مقنعة لهذا الإشكال الصحي الكبير، والذي يتمثل في تجمع تلك الحشود الكبيرة في بقعة محصورة وفي وقت ضيق.