مجلة «بانيبال» تحتفل بعامها العشرين... وأزمتها المالية تتفاقم

غلاف مجلة «بانيبال» (الحياة)
كتب عبده وازن |

كان صدور مجلة «بانيبال» عام 1998 في لندن أشبه بمغامرة مجهولة المصير. كان على رأسها الكاتبة البريطانية مارغريت أوبانك والكاتب العراقي – البريطاني صموئيل شمعون، ومن حولهما كوكبة من الأدباء العرب انضموا إلى هيئتها الاستشارية. وكان لا بد حينذاك من طرح سؤال: هل ستتمكن هذه المجلة المتخصصة في نقل الأدب العربي الحديث إلى الإنكليزية من الاستمرار؟ هل ستلقى قراء في العالم الإنغلو ساكسوني والعربي؟

هذه السنة تحتفل «بانيبال» بالذكرى العشرين لتأسيسها، ويصعب التصديق فعلاً أنها دخلت عامها العشرين من دون أن تتوقف عن الصدور ولو مرة واحدة، رغم الأزمات المالية التي عانتها وترهق كاهل ناشريها. هذه المجلة التي نجحت في مغامرتها، أضحت عبئاً من الناحية المالية لا سيما بعد تحوّلها إلى مؤسسة ودار تُصدر أيضاً سلسلة من عيون الكتب العربية مترجمة إلى لغة شكسبير.

كان معروفاً أن مارغريت أوبانك المتحدرة من عائلة معنية بالصحافة والأدب موّلت المجلة في البداية من مالها الخاص إلى أن لقيت بعض الدعم الضئيل من «مجلس الفنون» في بريطانيا. لكن هذا الدعم لم يكن كافياً طبعاً. ثم حصلت عام 2006 على دعم ضئيل أيضاً من مؤسسة الأمير كلاوس الهولندية. إلا أن المجلة التي باتت تطبع أكثر من ألفي نسخة وتحظى بعدد لا بأس به من المشتركين في العالم، استطاعت لفترة أن تواجه أزمتها المالية من غير أن تتخطاها نهائياً. وأسست جائزة بانيبال للترجمة التي تُمنح لأفضل ترجمة من العربية إلى الإنكليزية، بدعم ضئيل من مؤسسات عربية وهي طبعاً رمزية. وراحت المجلة تحيي أمسيات أدبية في بريطانيا تدعو إليها شعراء وروائيين من العالم العربي تجوب بهم مدناً عدة.


استطاعت «بانيبال» فعلاً أن تفرد حيزاً كبيراً للأدب العربي الحديث والجديد والراهن في عالم اللغة الإنكليزية، وأن تُرسّخ صورة هذا الأدب عبر الترجمة ساعية إلى تعريف القارئ الإنغلوفوني بما يحفل به من مدارس وأنواع وتجارب، وكذلك من خصائص ومميزات. لم تعد «بانيبال» جسراً بين الأدب العربي والقارئ الغربي على اختلاف هوية هذا القارئ، بل أضحت مرجعاً عالمياً للأدب العربي، لا سيما بعد رواجها في الجامعات العالمية والنوادي والجمعيات التي تعنى بالأدب. وبدأ بعض المؤسسات يعتمدها مصدراً لمقاربة الأدب العربي الجديد، وينقل عنها المقالات والنصوص التي تنشرها دورياً.

أما الأزمات التي تعانيها «بانيبال»، فترجع إلى كونها مجلة حرة وغير رسمية، لا علاقة لها بالسياسة وبعيدة كل البعد عن ارتباط سياسي. ومن يستعرض مسارها يدرك تماماً أنها لا تميز بين أدب عربي وآخر، ولا بين تيار وتيار أو جيل وجيل. إنها مجلة «ديموقراطية» بامتياز، لا تخضع لأي رقابة معلنة أو مضمرة. بل كثيراً ما فتحت صفحاتها أمام النصوص الممنوعة ونقلتها إلى الإنكليزية. كما دأبت على إعداد ملفات مهمة وشاملة عن الأدب الفلسطيني والعراقي والجزائري والمغربي والأردني والمصري والسعودي والإماراتي والسوري والسوداني والليبي...

قبل «بانيبال» كانت ترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية وقفاً على ما تقوم به دور محدودة، وترجماتها قليلة ومحصورة بأسماء معينة وخاضعة لرؤية غير أدبية تماماً. أما مع «بانيبال»، فاتسع أفق الترجمة ليشمل الحركة الأدبية العربية في اتجاهاتها كافة والتحولات التي تشهدها. هنا لا انحياز إلى اسم دون آخر، ولا مسعى إلى إغراء القارئ الإنكليزي وإشباع نزواته، ولا اختيار للأدب الإكزوتيكي الذي يثير فضول هذا القارئ. واللافت أن «بانيبال» تتعاون مع مترجمين عرب وأجانب يجيدون اللغتين تماماً، ويملكون خبرة في حقل الترجمة.

هل تتمكن «بانيبال» بعدما دخلت سنتها العشرين من مواصلة مغامرتها؟ المغامرة ترسخت حقاً، لكن العواقب المالية ازدادت أيضاً وتزداد. ولعل ما يدعو إلى الحيرة هو تغاضي المؤسسات العربية عن دعمها، فيما المال الثقافي العربي لا يزال متوافراً رغم الأزمات السياسية والاقتصادية الراهنة.