الـ «سوشال ميديا» في مصر تحت عباءة القانون

القاهرة – أمينة خيري |

في حروب الـ «سوشال ميديا» المتصاعدة الإيقاع، تظهر المسافة بين القاهرة وواشنطن أقصر كثيراً مما توحي به خرائط الجغرافيا وتنظيرات السياسة وتعليقات «المحللين الاستراتيجيين» الذين صارت آراء كثيرين منهم تصل إلى الناس كأنها آتية من زمان أهل الكهف!

في واشنطن والقاهرة، ومن غير تنسيق ظاهر ولا مستتر، تأزمت العلاقة بين المؤسسة السياسة من جهة، وشركات التواصل الاجتماعي. وفي العاصمتين، احتدّت الأزمة بعد أزمنة يشبه تذكّرها حديث الشعر العربي عن «زمان الوصل في الأندلس».

في واشنطن، هناك أزمة واضحة بين البيت الأبيض، قلب مؤسسة الحكم الأميركي، وبين شركات الـ «سوشال ميديا»، إلى حد أن الرئيس الشعبوي دونالد ترامب وصف تلك الشركات بأنها تسعى إلى إسكات صوت ملايين الناس. واعتبر البعض المسألة انقلاباً في العلاقة بين ترامب والـ «سوشال ميديا»، خصوصاً أن الرئيس القرنفلي المزاج معروف بكثافة استخدامه للـ «سوشال ميديا». وعندما فاجأ العالم بفوزه في الرئاسة في انتخابات عام 2016، ساد آنذاك شبه إجماع على أن صحافة الورق فشلت في توقع الفوز الترامبي لأنها لم تأخذ الـ «سوشال ميديا» في الاعتبار.


وبعدها، اندلعت حرب بين ترامب وصحف الورق التي وصفها ساكن البيت الأبيض بأنها تروّج الأخبار المُضَلِّلة، بل إن ذلك المصطلح صار «لازمة» يكثر ترددها على الألسنة، بل إن ترامب غنّاها و «غرد» بها باستمرار على «تويتر».

لكن الحال تغيّرت. ومع التحقيق بالتدخل الروسي الإلكتروني المفترض في الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2016، صارت الـ «سوشال ميديا» موضع تهمة بأنها كانت أداة ذلك التدخل. وزادت جسامة الاتهام والإدانة مع تفجّر فضيحة «كامبريدج آناليتكا» التي عصفت بصدقية «فايسبوك»، ووضعت رئيسه مارك زوكربرغ في رياح محاكمات علنية أمام برلمانات أميركية وأوروبية وبريطانية.

ظلال الحرب على الإرهاب

عند تلك النقطة التي لم تكن منقطعة عن مجريات الحرب على الإرهاب الإسلاموي، لاحظ كثيرون أن الصورة الزاهية القديمة عن الإنترنت بصفتها مساحة مفتوحة للديموقراطية والحرية المطلقة (بل حتى غير المنضبطة)، لم تعد موجودة. وأدرك الغرب قبل غيره، أن مسألة الحرية على الشبكة العنكبوتية أمر يستحيل فصله عن ضوابط قانونية وتشريعية وأخلاقية وغيرها، كي تصبح الحرية حقيقية وليست انفلاتاً يدمر المجتمعات، ويسمح للإرهاب بالتجنيد الإلكتروني لتنفيذ مقتلات مرعبة، ويفتح الباب أمام تلاعب قوىً ومنظمات ومؤسسات ودول، بالرأي العام واختياراته، وهو الشيء الأساسي فعليّاً في الديموقراطية.

ومن بين الآثار الكثيرة التي نجمت عن فضائح «كامبردج آناليتكا» وغيرها، توجّهت شركات الـ «سوشال ميديا» إلى تعزيز صدقيتها عبر التصدي للأساليب التي يفترض أنها استخدمت في التأثير في الرأي العام وانتخاباته. وانضمت شركات أخرى إلى ذلك التوجّه، خصوصاً محرك البحث العملاق «غوغل». واستندت شركات الإنترنت العملاقة إلى التجارب المتراكمة مع الإرهاب الإسلاموي، ونصوص الكراهية العنصرية، وخطابات الـ «إسلاموفوبيا» وكراهية المهاجرين وغيرها. ووجدت أن يدها صارت طليقة في العمل ضد مواقع معينة وإسكات آراء وتوجهات معينة على الشبكة العنكبوتية، لأن تلك الأعمال لم تعد توصف بأنها قمع ومصادرة حرية رأي، بل تقبل كجزء من حماية المجتمع والحرص على الصالح العام.

في سياق تلك الصور، أعلن موقع «فايسبوك» في أواخر آب (أغسطس) 2018، أنه أوقف حملات تضليل خفية على منصته، مشيراً إلى أن مصدرها كان إيران وروسيا. وأشار أيضاً إلى أنه أغلق مجموعة حسابات كجزء من معركته لمكافحة الأخبار المُضللة، في سياق مساعٍ لحماية انتخابات الكونغرس في الخريف، والانتخابات البرلمانية في دول ضمن الاتحاد الأوروبي، ومجموعة من الانتخابات المشابهة في دول كثيرة.

إذ أغلق موقع «فايسبوك» ما يزيد على 650 حساباً وصفحة ومجموعة، استناداً إلى تعريفها بأنها «شبكة حسابات تُضلل الناس»، وفق تعبير زوكربرغ. وبيّن «فايسبوك» أيضاً أن المحتوى الذي نشرته تلك الحسابات كان مُعَداً كي يستهدف مستخدمي «فايسبوك» في بريطانيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط والولايات المتحدة، وفق تصريحات متتالية صدرت من ناثانيال غليتشر، وهو رئيس سياسات الأمن السيبراني في «فايسبوك».

المعركة تصل إلى «غوغل» و... القاهرة

بالتزامن مع ذلك، أعلن محرك البحث «غوغل»، وهو عملاق البحث عن المعلومات على الإنترنت، أنه أغلق قنوات وحسابات على منصة «يوتيوب» على خلفية حملة تضليل مرتبطة بإيران. وأشار إلى خطوات مماثلة تبنّتها شركات «فايسبوك» و «تويتر». وأوضح «غوغل» أنه أجرى عمليات الإغلاق بالتنسيق مع شركة الأمن الإلكتروني «فاير آي»، مبيّناً أنها تمكنت من إيجاد رابط بين الحسابات المغلقة ومواد بثّتها «إذاعة جمهورية إيران الإسلاميّة» في إطار حملة إعلاميّة أطلقتها طهران في مطالع عام 2017.

وبكلمات واضحة، بيّن كِنتْ ووكر، وهو يشغل منصب نائب الرئيس في «غوغل»، أن ذلك المحرّك العنكبوتي تمكن من تحديد عدد من الحسابات التي كانت تخفي ارتباطها بحملة تديرها «إذاعة جمهورية إيران الإسلاميّة».

وأضاف: «إنّ المتورطين في ذلك النوع من عمليات التأثير ينتهكون سياساتنا... نحن نتصرف بسرعة ونعمل على حذف ذلك النوع من المحتوى (الذي يخدم غايات سلبيّة لدى طهران)، بل نغلق تلك الحسابات أيضاً»، وفق كلمات ووكر.

وفي تفاصيل تلك الحملة لحذف الحسابات وإغلاق المواقع، تبيّن أن «غوغل» منع 39 قناة على «يوتيوب» [وهي شركة تابعة لـ «غوغل] جمعت أشرطة الفيديو التي تُعرض عليها، قرابة 13466 مشاهدة في الولايات المتحدة. كذلك أغلق «غوغل» ستة حسابات على منصته الشهيرة «بلوغر» المختصة باستضافة المُدوّنات الإلكترونيّة، إضافة إلى 13 حساباً على شبكته الاجتماعيّة «غوغل بلاس».

وأوضح عملاق البحث على الإنترنت أنه تلقى معلومات استخباريّة من شركة «فاير آي» للأمن السيبراني، مبيّناً أن تحقيقات خبرائه كشفت شريحة كبيرة من الفاعلين المشبوهين المرتبطين بإيران شاركوا في تلك الحملة أيضاً.

وأضاف «غوغل» أنه أوقف «هجمات تصيّد» ترعاها بعض الدول، مشيراً إلى أنها تضمّنت توجيه رسائل خادعة إلى مستعملي خدمات البريد الإلكتروني المجانيّة في محاولة لدفعهم إلى كشف معلومات حساسّة على غرار كلمات المرور.

هل ذكرت الكلمات السابقة القارئ العربي المنتبه بأشياء تحصل الآن وهنا؟

لنناقش قليلاً. انقضى ما يزيد على سبع سنوات على «ثورة 25 يناير» التي نسبها كثيرون إلى «فايسبوك» وانتشاره في أرض الكنانة. تضمنت تلك السنوات أشياء كثيرة من بينها تجاوز الغرور الذي أصاب مفجري الثورة التي بدأت عنكبوتية ثم تحولت شعبيّة. وحدث التحوّل عندما أيقن كثيرون أن الـ «فايسبوك» وأقرانه من منصات التواصل الاجتماعي ليست ملائكة بأجنحة لا تبغي سوى الخير للشعوب، أو العدل للمظلومين، أو العمل المخلص الخالص لمصلحة الديموقراطة وضمان العدالة وتحقيق الشفافية وغيرها. وبات المصريون على يقين بأن ليس كل ما يلمع ذهباً، وليست كل حريّة على الشبكة العنكبوتية هي مقدمة لديموقراطية على أرض الواقع.

ذهب كثيرون إلى نتيجة مفادها أن دهاليز «فايسبوك» وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أداة تعبير، أو وسيلة تواصل، أو سلاح ضغط. تحولت نعمة الأمس إلى نقمة اليوم وربما غداً. في الـ «سوشال ميديا» ألوان متناحرة من السياسة، وأشكال متنافرة من المزايدة، وكميّات مذهلة من الأخبار الكاذبة والتنظير المرتكز على عدم المعرفة، إضافة إلى إغراق في التعبير عن الرأي من دون تفكير، والتأثر الانفعالي بالحشود والغضب والصراخ الجماعي.