«أسواق الفقراء» تزدهر في مصر نتيجة خطط الإصلاح

القاهرة – أحمد رحيم |

في وسط القاهرة، قرب كورنيش النيل، يفترش باعة بضائع مُكدسة من الملابس يبيعونها إلى زبائن حائرين بين أزقة «الوكالة» المزدحمة بمنصات العرض. هنا توجد كل أنواع الملابس، بعضها يحمل ما يدل على أنه مصنوع في الخارج، لكن الأسعار أقل من مثيلتها خارج سوق «الوكالة» بأكثر من النصف، والسبب أنها ملابس مستعملة.


قال محمد ضاحي وهو بائع في الوكالة، إن تلك الملابس مستوردة من الخارج بكميات ضخمة ولا توجد فيها عيوب، لافتاً إلى أنه يتم فرزها وتنقيتها وتجنيب أي قطع تحتوي عيوباً، ثم يتم غسل بقية الملابس وكيها لبيعها بأسعار منخفضة.

الزبائن أيضاً يعلمون أن الملابس مستعملة. وقال وليد حسن: «أشتري من هذه السوق منذ عامين. الفستان في متاجر وسط القاهرة يتخطى سعره الـ500 جنيه (الدولار يعادل نحو 18 جنيهاً). هنا يمكن أن أشتري ما هو أفضل منه بأقل من نصف الثمن». وأضاف: «بعد ارتفاع الأسعار، لم تعد هناك أي فرصة لشراء تلك البضائع الغالية».

وأعلنت الحكومة المصرية في حزيران (يونيو) الماضي، رفع أسعار الكهرباء بنسب بلغ متوسطها نحو 26 في المئة، كما ارتفعت أسعار مياه الشرب وخدمة الصرف الصحي، بنسب متفاوتة، وفق شريحة استهلاك كل أسرة، كما رفعت الحكومة أسعار تذاكر مترو الأنفاق بنسب كبيرة الشهر الماضي، لكن بقيت الزيادات في أسعار المحروقات، هي الأكثر أثراً في رفع معدلات التضخم.

ورفعت الحكومة أسعار المحروقات، ضمن خطة لإلغاء دعمها، في أول قرار لحكومة الدكتور مصطفى مدبولي، علماً أن إجراءات الإصلاح الاقتصادي تسارعت وتيرتها في عهد الحكومة السابقة برئاسة شريف إسماعيل.

وتراوحت الزيادات على أسعار المحروقات بين 17.4 و66.6 في المئة على الأنواع كافة. وتعهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المُضي في برنامج الإصلاح الاقتصادي في بلاده، داعياً الشعب المصري إلى التحمّل كي تمر تلك المرحلة. ويُنتظر أن تتواصل إجراءات الإصلاح الاقتصادي العام المقبل أيضاً، وفق خطة الإصلاح المُعلنة سلفاً.

وقال الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تموز (يوليو) الماضي، إن معدل التضخم ارتفع على أساس شهري في حزيران (يونيو) الماضي مقارنة بأيار (مايو) الماضي، عازياً تلك الزيادة إلى ارتفاع أسعـــار الخضروات والحبوب والخبز والنقل والمواصلات والسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود.

الزيادات في أسعار السلع نتيجة القرارات المتلاحقة للإصلاح الاقتصادي، دعت المصريين إلى البحث عن سبل للتعايش مع تلك المستجدات، خصوصاً أن الزيادة في دخولهم لا تُلاحق ارتفاعات الأسعار بأي حال.

هذا الوضع أجبر المصريين على تغيير نمطهم الاستهلاكي ولو تدريجاً، ففي سوق في حي المنيب الشعبي يبيع التجار الدواجن أجزاء، فمن لا يستطيع شراء دجاجة كاملة يمكنه أن يشتري بعض أجزائها، وحتى أرجل الدجاج بات لها تُجار يبيعونها، لمن لا يستطيع أن يشتري لحمها.

وفي سوق قرب حي الزاوية في القاهرة، يبيع تجار أدوات منزلية مُستعملة، لكنها صالحة للاستخدام. كل أنواع الأدوات موجودة في هذه السوق، أدوات المطبخ تُباع هنا، وبعض أجزاء المُكيفات، والأسرّة، والسجاد، بأسعار زهيدة لا تُقارن بالسعر الأصلي للسلعة.

وقال محمود حسن إنه يبحث عن بعض أدوات المطبخ في هذه السوق، التي عرف عنها من أحد أقاربه، لافتاً إلى أن أسعار الأدوات الكهربائية أصبحت لا تُحتمل، ما اضطره إلى التجول في هذه السوق للاطلاع على المنتجات فيها، وقد يتخذ قراراً بالشراء.

في المقابل، يشتكي أصحاب محلات بيع الأدوات الكهربائية ركوداً في سلعهم. وقال عدلي ملاك، وهو صاحب متجر في شارع عبدالعزيز في وسط القاهرة، وهو أكبر وأشهر شارع لبيع تلك الأدوات، إن ارتفاع الأسعار حدّ من حركة البيع والشراء إلى درجة كبيرة. وأضاف أن بعض المنتجات تظل في المعرض فترات طويلة، وبالكاد يشتري الزبائن الأنواع الرخيصة من الأدوات الكهربائية، مؤكداً أنه اضطر إلى مقاطعة بعض الماركات المستوردة الغالية، لأن سوقها باتت راكدة إلى درجة كبيرة.

اللافت في مصر ليس أسواق الملابس أو الأدوات الكهربائية المستعملة، فتلك الأسواق وإن باتت وجهة لقطاعات أكبر من المصريين، إلا أنها ليست جديدة عليهم، لكن الجديد هو انتشار «بواقي الطعام» في بعض الأسواق، فارتفاع أسعار السلع الغذائية خلق تجارة جديدة في مصر، تلقى رواجاً تدريجياً، وهي بيع مخلفات مصانع إنتاج المواد الغذائية، فباتت الأجبان تُباع في الأسواق وتعرض على الملأ في الأسواق، كل أنواع الأجبان، لكنها ليست كالتي تُباع في المتاجر، هي معبأة في أجولة وليست متماسكة، كونها من مخلفات مصانع الأجبان، ويُباع الكيلوغرام منها بأقل من نصف ثمنه الأصلي، كما تُباع بواقي مصانع المُقبلات بأسعار زهيدة، وأيضاً مصانع الحلويات تُباع مخلفاتها بالكيلوغرام بأسعار منخفضة.

وقال محمود شرف، وهو يبيع مخلفات مصنع حلويات في سوق المنيب الشعبية، إنه يملك عربة لبيع الحلويات الشرقية، ويتعامل مع مصنع لشراء المنتجات منه، وفي الآونة الأخيرة وجد أن مخلفات تلك المصانع تُباع في الأسواق، وأن المصنع الذي يتعامل معه يبيع تلك المخلفات، فأخذ حصة منه وبدأ يبيعها في السوق. يضع شرف أمامه في الشارع عبوة بلاستيكية كبيرة ممتلئة بقطع من الحلوى التي تبدو مفرومة ولا تتضح ملامحها، فقط عجينة مُكدسة من الكيك والشوكولاتة والكريمة، هو يبيعها بالكيلو، وقال إن ثمن كيلو الحلوى أقل من ثمن 3 قطع من المتجر. وعلى رغم أن الغاتوه لا يُمكن تمييز شكله ولا حتى يخطر على بال أحد للوهلة الأولى أن هذا الصنف هو غاتوه، إلا أن شرف يقول إن هناك إقبالاٍ من الفقراء على شرائه لأن الأطفال يفضلونه.

وإلى جواره تتكدس الأجبان في أجولة وتتراص تعلوها لافتة بالأسعار، ويبدو أنها من هادر المصانع كونها مطحونة.

بيع هذه المنتجات يطرح تساؤلات عن مدى مطابقتها للمواصفات الصحية، لكن الإجابة عن السؤال لا تقتضي الحاجة إلى مسؤول صحي أو حكومي، فقطعاً تلك المنتجات لا تتوافر فيها أدنى درجات الشروط الصحية، فهي مجهولة المصدر وغير مغلفة وتُباع بعد أن كُشفت وعُرضت على الأرصفة وتعرضت لكل ما هو ضار وغير صحي، لكن في النهاية يلجأ إليها الزبون مضطراً لرخص ثمنها.