الحوافز لتشييد الطاقات المستدامة عربياً

وليد خدوري |

لم يكن متاحاً فتح المجال الواسع بسرعة لانطلاق صناعة الطاقات المستدامة (الشمسية والرياح) عربياً، نظراً الى منافسة الاحتياطات الضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي وكلف إنتاجها المنخفضة نسبياً ولعدم توافر الأموال الاستثمارية الضخمة لدى الدول غير النفطية. لكن وفق التقرير البحثي الأخير للشركة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب)، التي أسستها الدول الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، تحفزت دول عربية غير نفطية خلال السنوات الأخيرة للولوج الى تشييد الطاقات المستدامة، للأسباب التالية: أولاً، اهتمام الدول غير النفطية ذات الاستهلاك العالي والمتزايد بسرعة بضرورة معالجة هذا التحدي الاستيرادي الباهظ الكلفة لموازناتها السنوية الحالية والمستقبلية.


ثانيا، تحفز المصارف والمؤسسات التنموية الإقليمية والدولية لتمويل هذه المشاريع، وذلك في وقت تتجنّب المصارف العالمية تمويل مشاريع تنموية من هذا النوع بالذات، نظراً الى أنه يتطلب قروضاً طويلة الأمد في دول ذات تحديات واضطرابات سياسية واقتصادية، ما يعرض تحصيل الأموال مستقبلاً للأخطار.

ثالثاً، اهتمام المصارف والمؤسسات التنموية بقضايا البيئة، بحيث تبوأ الهدف البيئي أولوية أهدافها.

واجتمعت أهداف الدول العربية غير النفطية مع أهداف هذه المؤسسات التنموية العالمية للحفاظ على البيئة وترشيد استهلاك الطاقة. أخيراً، يتوجب التنويه بأن التمويل من المؤسسات التنموية - الإقليمية أو الدولية - يفترض كلاً من الاقتراض بقروض ميسرة والإشراف على تنفيذ المشاريع ذاتياً. الأمر الذي يمنع أو يقلص إمكان الفساد المتغلغل في الدول النامية.

وتبنت الدول العربية البترولية (الإمارات والسعودية تحديداً) برامج متعددة لتشييد الطاقات المستدامة، معتمدة على التمويل الحكومي الذاتي.

لكن تباينت الأهداف من تشييد الطاقات المستدامة ما بين الدول العربية النفطية وغير النفطية. فقد هدفت الدول النفطية الى تقليص استهلاك الموارد الهيدروكربونية لتكريس أكبر كمية منها للتصدير. وهدف البعض الآخر الى الحفاظ على البيئة أيضاً في الوقت نفسه.

من المتوقع أن تستمر المصارف والمؤسسات التنموية الإقليمية والدولية في قيادة عملية تمويل مشاريع الطاقات المستدامة، بالذات لأنها تدعم أولويتها البيئية على الصعيد العالمي، ونظراً أيضاً الى زيادة الاهتمام الإقليمي والعالمي ببدائل الطاقة لتحسين البيئة وللفوائد الاقتصادية الناتجة من اعتماد سياسة تنويع بدائل الطاقة.

ينبع اهتمام المصارف التنموية الإقليمية والدولية بتمويل مشاريع الطاقات المستدامة، من تجربتها في دعم مسيرة التنمية العربية. وبينما تختلف القطاعات الاقتصادية التي تم إيلاء الاهتمام لها خلال الفترة الماضية، فقد حاز كل من قطاع المواصلات والطاقة حيزاً مهماً من اهتماماتها وقروضها ومساعداتها.

وعلى رغم الاهتمام أيضاً بقطاعي التعليم والصحة، فقد أولت المؤسسات التنموية الإقليمية، اهتماماً واسعاً بقطاع الكهرباء، نظراً الى عدم تمكن ملايين السكان من الحصول على الكهرباء، الذي يجعل من الصعوبة لهذا العدد الضخم من المواطنين تحقيق التنمية المستدامة الضرورية للقضاء على الفقر. وقد اهتمت المؤسسات التنموية الدولية، بالمساهمة في تمويل قطاع الكهرباء على الصعيد العالمي. إذ تشير «أبيكورب» الى أن البنك الدولي قد ساهم في نحو 70 مشروعاً كهربائياً على الصعيد العالمي وفي أكثر من 35 دولة لتسهيل الحصول على الكهرباء، وذلك من خلال المساهمة في أكثر من 5 مليار دولار منذ عام 2010.

استعرض التقرير تجربة كل من مصر والمغرب في مجالات الطاقة المستدامة. وذكر أن مصر قد تأخرت في تشييد مشاريع الطاقات المستدامة للمصاعب الاقتصادية التي واجهتها. منها، التقلبات الحادة في قيمة الجنيه، وشح العملات الصعبة، والإصرار على اللجوء الى التحكيم والقضاء المصري في حال نشوب خلافات مع الشركات العاملة. ونظراً الى معارضة معظم الشركات الدولية اللجوء الى المؤسسات القضائية المحلية، فقد اعتذر الكثير منها عن المشاركة في المشاريع. وتم تغيير هذا الشرط.

تم أيضاً عدم الاعتماد فقط على تمويل القطاع العام. فاعتمدت مصر، في بادئ الأمر، على التمويل من البنك الدولي ومؤسساته. لكن نظراً الى ضخامة المبالغ المطلوبة لتمويل محطات الكهرباء التقليدية ومشاريع الطاقات المستدامة، لجأت مصر أيضاً الى المؤسسات التنموية الأخرى للحصول على المبالغ اللازمة لتشييد المشاريع اللازمة لملافاة الطلب المتزايد.

يذكر التقرير مشاريع عدة تم تنفيذها في مصر أخيراً، حيث شاركت مؤسسات تنموية مختلفة. فهناك مثلاً، مشروع مزرعة الرياح بطاقة 200 ميغاواط في جبل الزيت بكلفة 340 مليون يورو. شاركت في تمويل المشروع مؤسسة التنمية الألمانية الحكومية وصندوق الاستثمار الأوروبي والسوق الأوروبية.

وتبنت المغرب سياسة طموحة هدفها تشييد 2 غيغاواط من الطاقة الشمسية و2 غيغ واط من طاقة الرياح بحلول عام 2020. وقد تم فعلاً تنفيذ جزء كبير من هذا المشروع.

احتلت مشاريع الطاقة المستدامة في المغرب أهمية كبرى. وقد فسحت السلطات المغربية منذ انطلاقها في هذا المجال، التعاون مع المؤسسات التنموية الدولية والإقليمية.

* كاتب عراقي متخصص في شؤون الطاقة