الفقر في لبنان يطاول ثلث السكان ومكافحته تحتاج استراتيجيا تنمية

فقراء في مخيمات - لبنان (أ ف ب)
بيروت – «الحياة» |

لم يعد تعريف الفقر ملازماً للكليشيهات النمطية التي اعتدنا عليها من أناس يعانون البؤس ويتسوّلون لتأمين طعامهم. لقد تغيّر هذا المفهوم وأصبح يعني من ليس له دخل جيد وقدرة شرائية جيدة، ومن لا يستطيع تأمين السكن والصحة والتعليم، ومن ليس في إمكانه الحصول على فرص العمل. لذا يدخل مفهوم مكافحة الفقر في لائحة أولويات أهداف التنمية المستدامة 17 للأمم المتحدة، التي وافق عليها معظم البلدان، ومنها لبنان. قبل أيام سلّطت «الوكالة الوطنية للإعلام» الضوء على الآليات الموضوع لمكافحة الفقر في لبنان، من خلال لقاء مع المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية القاضي عبدالله أحمد ومع الخبير في شؤون التنمية أديب نعمه.


وأكد أحمد أن وزارة الشؤون الاجتماعية تعمل على استراتيجية للحماية الاجتماعية للأسر اللبنانية كلها وليس للفقيرة فقط. كما تسهر على تفعيل مشروع دعم الأسر الفقيرة، موضحاً أن خطوات اتخذت لإطلاق مشروع يعنى بإخراج الأسر من حالة الفقر إلى وضع أفضل من خلال تدريبها على المهن والمهارات بغية إيجاد فرص عمل لها، تتمثل بدعم مالي للقيام باستثمارات ومشاريع صغيرة.

وذكّر أحمد بأن مشروع الوزارة لدعم الأسر الفقيرة «ممول من البنك الدولي والحكومة اللبنانية، وهو قائم على استقطاب الأسر الفقيرة إلى مراكز الخدمات الإنمائية التابعة للوزارة، بغية استهداف الفئة التي هي في وضع الفقر المدقع، أي التي دخلها دون 5,7 دولار للفرد الواحد، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على تعديل إستمارة البيانات لمزيد من الدقة والعدالة بعدما تبيّن أن هناك ملاحظات عليها، بما يخدم المشروع والأسر الفقيرة عموماً.

ولخّص نعمة الوضع لافتاً إلى أن ثلث اللبنانيين فقراء، وأن لبنان يحتاج إلى استراتيجية وطنية للتنمية الإجتماعية، بحيث لا تكون سياسة مكافحة الفقر معزولة عن السياسات الاجتماعية العامة. واعتبر أن مشروع الدعم الذي أطلقته وزارة الشؤون الاجتماعية لم ينجح في تحقيق أهدافه. وقال: «إن الوثيقة 2030 هي بالنسبة إلى الأمم المتحدة والدول نوع من الإطار العام لرسم السياسات التنموية على صعيد العالمي، وتساعد في إعطاء توجيهات كيف تكون السياسات لتحقق أهداف التنمية في كل بلد وعلى صعيد العالم. ومن ضمن أهدافها القضاء على الفقر أو مكافحته».

واعتبر نعمة أن الهدف العام لوثيقة 2030 هو تحقيق تنمية لا تستثني أحداً، إذ لم يعد التركيز على الفقر الشديد فقط، فالفقر لم يعد يعني الناس الجائعة والبائسة، بل أصبح يعني الحرمان من عدد كبير من الأشياء التي تجعل مستوى عيش الأسر والأشخاص أقل من المقبول اجتماعياً».

وتطرّق نعمة إلى سلسلة دراسات لتقدير نسبة الفقر «أجريت منذ منتصف تسعينات القرن الـ20 جاءت كلها متقاربة، ففي لبنان هناك تقريباً ثلث السكان يعيشون في صعوبة ولا يمكنهم أن يؤمّنوا حاجاتهم بالمقدار الذي يرغبون فيه»، مشيراً إلى أنه عالمياً يستحوذ 60 و70 في المئة من الناس على 3 إلى 4 في المئة من الثروة وهذا الأمر ينطبق على لبنان أيضاً وفق تقرير أعدّه كريدي سويس»، معلناً أن «ثلث اللبنانيين هم فقراء، 5 في المئة منهم فقراء جداً، يتوزّعون على مختلف المناطق. وتنخفض نسبة الفقر في بيروت وفي القسم الأكبر من جبل لبنان إلى 15 في المئة، فيما تتضاعف إلى الثلثين في الأطراف، مثل الضنية، بعلبك الهرمل، عكار، مرجعيون وحاصبيا، وداخل المدن مثل مدينة طرابلس (شمال)».

ولفت نعمة إلى أن «تقرير لبنان الرسمي إلى قمة كوبنهاغن، قدّر نسبة الفقر بـ28 في المئة. وهناك تقرير التنمية البشرية الأول الصادر عن الإسكوا يثبت النسبة ذاتها، كما صدرت عام 1998 أول دراسة وطنية شبه رسمية عن وزارة الشؤون قدّرت فيها عدد الأسر الفقيرة بحوالى 32 في المئة، 7 في المئة منهم فقراء جداً». وزاد: «أجرينا بعد 10 أعوام سلسلة الدراسات ذاتها بالتعاون مع وزارة الشؤون وإدارة الإحصاء المركزي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وجاءت النسبة بين 30-31 في المئة. كما قمنا في الفترة ذاتها بقياس نسبة الدخل وحصلنا على الرقم ذاته. بعدها أجرى البنك الدولي دراسة مع إدارة الإحصاء المركزي نشرت في عام 2015 وأتت نسبة الفقر 27 في المئة. كما أجرى مركز البحوث والاستشارات دراسة عامذاك أظهرت أن النسبة بين 28 إلى 30 في المئة».

ويعتبر نعمة أن أبرز الثغرات في موضوع تلك الدراسات أنه لا يوجد إطار حكومي رسمي، أو علمي منهجي يمكن ان تستند إليه لمناقشة أرقامها، إذ «ليس دقيقاً أن نحصل على مدى 15 عاماً على الأرقام ذاتها، فكل دراسة تعتمد منهجية مختلفة، وكلها متروك للاجتهادات، وهذا خطأ». وطالب بعدم ترك دراسات الفقر عشوائية، وحضّ الحكومة أو وزارة الشؤون الاجتماعية على جمع الأطراف التي تجري الدراسات لتقويم الأكثر دقة منها.

ورأى نعمة أن التدخّل لمكافحة الفقر يجب أن يتم من خلال التنمية المحلية، عكس الأسلوب الذي اعتمد في برنامج مساعدة الأسر الأكثر فقراً الذي اعتمد تقدير حالة الأسرة، وبما أن الموارد قليلة، أصبح المعيار ضيّقاً، ما سبب مشكلات أثناء توزيع البطاقات، خصوصاً في المرحلة الأخيرة، علماً أن النظام الذي وضع أقرّ وفق صيغة مغايرة للتوصيات التي تقدّم بها الخبراء «فلم يأخذوا بملاحظاتنا». ويرى أن «هذا المشروع فشل ولم ينجح في تحقيق أهدافه، لأنه لم يخفف الفقر ولم يعد تنظيم نظام الرعاية الاجتماعية في وزارة الشؤون، فتصميمه كان منذ البداية خاطئاً، إذ نسخ من أماكن أخرى، ونفّذ في شكل خاطئ، فلم يتمكّن من حلّ المشكلة».

وتطرّق نعمة إلى أن المشروع أعفى على سبيل المثال الأسر من رسوم التسجيل في المدارس الرسمية وأعطى قرطاسية للتلامذة، ونص في خطوطه العريضة على اتفاقات مع المستشفيات لإعفاء المنتسبين من دفع 15 في المئة المتوجّبة عليهم. لكن معظم المستشفيات لم تلتزم. كما يكشف أن القرار المتخذ منذ زمن لبدء تطبيق الاستراتيجية الوطنية الاجتماعية لم يطبّق. وما حصل «نوع من المحاولات لأوراق أعدّها خبراء وانتهت في الأدراج». وأضاف: «نحن في حاجة إلى سياسة تنموية، فمشكلات الفقر ناتجة أيضاً عن السياسة المالية والضريبية». وتابع: «الوثيقة التي وافقت عليها الحكومة تقول إن العبء الضريبي يجب أن يطاول الذين لديهم ثروات والاتجاه نحو الضريبة التصاعدية. نحن نحتاج إلى خيارات كبرى لإستراتيجية منسجمة مع خيارات التنمية، أي استراتيجية وطنية للتنمية الاجتماعية تتضمّن ما يكافح الفقر ومحاور رئيسة مثل الخدمات العامة من كهرباء وماء وصرف صحي ونقل، فإذا أقررنا مثلاً إلزامية التعليم ومجانيته، وقدّمنا خدمات المياه والكهرباء، وأنشأنا خطوط نقل رئيسة نكون قد وفّرنا على العائلة اللبنانية 15 في المئة من إنفاقها العام»، هذا فضلاً عن ضرورة تعزيز التعليم الرسمي والرعاية الصحية الأولية والسكن، معتبراً أن قروض الإسكان ليست حلاً، إنما الحل هو في إعادة كلفة السكن المفتعلة إلى الكلفة الحقيقية والطبيعية، لأن غلاء الإيجارات يعطّل النمو الاقتصادي، وبالتالي تتطلّب مكافحة الفقر أيضاً إنماء متوازناً للمناطق الفقيرة وخطط تنمية وفق حاجة كل منطقة.

ويشير أحمد إلى أنه من خدمات المشروع منح بطاقة غذائية شهرية بقيمة

27 دولاراً للفرد بمعدّل خمسة أفراد للأسرة الواحدة، لكن هذه الخدمة محصورة فقط بـ10 آلاف أسرة هي في أدنى سلّم الفقر. وكشف أنه ينكب على مشروعين: الأول تصنيف الجمعيات والوقوف على الخدمات المتخصصة التي تقدّمها لربطها بمشروع الفقر، وتحديد الخدمات التي توفّرها الوزارة ووزارات أخرى والقطاع الخاص كخدمات اجتماعية، فإذا أراد حامل بطاقة الإعاقة مثلا الذهاب إلى المصرف فما هي الاستفادة التي يمكن أن يحصل عليها؟ وما يمكن أن يعطي المصرف لحامل البطاقة؟ (قرض بفائدة أقل؟ إعفاء لفترة زمنية من دفع الفوائد؟ ما هي الخدمات التي يمكن أن يقدّمها القطاع الخاص؟).

ويتعلّق المشروع الثاني بإخراج الأسر من حالة الفقر إلى وضع أفضل. وقد أنجزت أخيراً مناقصة تتعلّق بالتعاقد مع شركتين ستجريان بحثاً في مناطق البقاع والشمال حول أكثر مصالح والمهن التي تحتاج إليها سوق العمل من أجل تدريب الأسر الفقيرة على مهارات لإيجاد فرص عمل لأفرادها، وذلك من خلال استثمارات يتراوح كل منها بين 3500 إلى 8 آلاف دولار.