موسم الهجرة من لندن ... أسبابه متنوّعة

لندن - منال لطفي |

على شرفة مقهى في مدينة برايتون الساحلية، جنوب لندن، تجلس زوي أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بها تستمع لأغنية وضعت كلماتها وموسيقاها، ستؤدّيها مع فرقتها الصغيرة في المدينة التي تبعد عن العاصمة البريطانية ساعة واحدة، والتي باتت الموطن الجديد لهذه الشابة بعدما قررت، على غرار عشرات آلاف من أبناء جيلها، مغادرة لندن والتوجّه إلى مدن بريطانية أخرى.


وتظهر أحدث أرقام «مكتب الإحصاءات الوطنية» أن عدد من يغادرون لندن للاستقرار في مدن أخرى بلغ أعلى مستوى له منذ 11 عاماً. فخلال الـ12 شهراً الماضية، من منتصف عام 2016 إلى منتصف 2017، غادر لندن حوالى 336 ألف شخص للاستقرار في مدن أخرى. وترتفع نسبة المغادرين لا سيما بين الشرائح العمرية من 15 إلى 19 سنة، ومن 30 إلى 49 سنة ومن 50 إلى 65 سنة.

زوي، التي وُلدت ودرست في كلية «كوينز كوليدج» في لندن وعملت في العاصمة حتى نهاية العشرينات من عمرها، قررت أن لندن ليست المكان المناسب لتحقيق ما تأمل به. توضح: «لندن مدينة مكلفة جداً، وتنافسية جداً، وسريعة الحركة جداً بدرجة مجهدة. العمل فيها صعب، وجودة الحياة فيها ليست عظيمة. ومع أنني حاولت أن أجد موطئ قدم لموسيقاي فيها، إلا أن الأمر كان صعباً جداً. وعندما نصحني أصدقاء أن أنتقل إلى مدينة أخرى أقل كلفة، وتتمتّع بمشهد فني وثقافي ثري ومتنوع على غرارها، انتقلت إلى برايتون منذ نحو العامين ولم أندم أبداً على الخطوة».

وعلى رغم أن لندن كانت تقليدياً المدينة الأكثر جذباً للشباب في الشريحة العمرية بين العشرينات والثلاثينات، إلا أنها لم تعد كذلك.

وهناك أسباب عدة تقف وراء هذا الهروب من العاصمة من بينه ارتفاع أسعار العقارات سواء للتأجير أو للشراء، وارتفاع كلفة المعيشة، فضلاً عن مؤشرات سلبية تتفاقم مثل ارتفاع نسبة الجريمة والتلوّث.

ففي عام 1997، كان متوسّط كلفة شراء منزل يعادل 3.5 مرة متوسّط الدخل السنوي، لكن في عام 2010 تجاوزت هذه الكلفة 7 مرات متوسّط الدخل. ولم ترتفع فقط أسعار المنازل، بل أرتفعت أيضاً أسعار تأجيرها.

وفي المتوسط ينفق البريطاني أكثر من ثلث دخله الشهري كإيجار، ما يعني أن قدرته على الادخار تتقلّص وتتراجع باستمرار، كما تتراجع قدرته على شراء منزل خاص. ولا عجب أن يطلق على هذا الجيل في بريطانيا، وفي أوروربا أجمالاً، «جيل الإيجار».

هذه الدائرة المفرغة، دفعت آلافاً كل عام إلى قرار مغادرة لندن إلى مدن مثل برايتون ومانشستر وبريستول وديربي وليفربول، هرباً من الأسعار المرتفعة وساعات العمل الطويلة، والضغط الهائل بسبب المنافسة الضارية، والمنازل الصغيرة المكلفة، والمواصلات شديدة الازدحام، والهواء الملوّث، وارتفاع الجريمة. وتقول زوي: «للندن جمالها الخاص، لكنها لم تستطع توفير نوعية الحياة التي أرغب فيها».

ومع أزمة السكن في لندن، وارتفاع الأسعار، وموجة الهجرة إلى مدن أخرى، وتأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بركزيت)، وتراجع أعداد المهاجرين القادمين من بلدان الاتحاد الأوروبي، يتخوّف اقتصاديون من تأثير ذلك في التوازن الديموغرافي للعاصمة ومستقبلها الاقتصادي.

فقد سجلت لندن هذا العام أبطأ معدّل للنمو السكاني خلال السنوات العشر الأخيرة، ولم يتخطّ نصف ما كان عليه في العام المنصرم. وإجمالاً انخفض صافي الهجرة إلى لندن 34 في المئة ليصل إلى أدنى مستوياته منذ 2013. كما انخفضت 25 في المئة أعداد مواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين في لندن.

ويحذّر «مركز دراسات لندن»، المتخصص في شؤون العاصمة، من أن أزمة الإسكان في العاصمة وارتفاع الأسعار وتباطؤ الاستثمارات الدولية والشكوك في المستقبل المالي للندن بسبب الـ «بركزيت» وهروب الشباب (25 – 40 سنة) فضلاً عن تراجع الهجرة من بلدان الاتحاد الأوروبي، تضعف جاذبية المدينة وتجعلها طاردة للسكان أكثر في المستقبل ويزيدها انغلاقاً، على رغم أنها لم تألف الإنغلاق. فقد حافظت خلال الـ400 عام الماضية على مكانتها كأكبر مركز للتجارة العالمية والمعاملات المصرفية. فنحو 41 في المئة من المعاملات المالية الدولية تتم في لندن، بمتوسّط تداول يومي يفوق البليوني دولار، وحيث أن التداول بالعملة الميركية أعلى حتى من نيويورك، والتداول باليورو أعلى من أي مدينة أوروبية أخرى. كما أن نحو 25 في المئة من الناتج القومي المحلي البريطاني و30 في المئة من الضرائب على المستوى القومي تأتي من لندن وحدها. لكن التحدّيات المتزايدة والمتراكمة التي تواجهها المدينة وسكانها، قد تغيّرها إلى الأبد.

ويحذّر «مركز دراسات لندن» من أن الـ «بركزيت» أثّر في وضع العاصمة الإقتصادي بسبب هروب الكثير من العمالة المدرّبة والمؤهلة من بلدان الاتحاد الأوروبي، ويتوقعّ هروب آخرين، ما سيساهم في «طرد» السكان من لندن. فحوالى 11 في المئة من العاملين في مربّعها المالي (حوالى 360 ألف شخص) من غير البريطانيين. يجدون أنفسهم في وضع غامض بسبب التطورات التي تمر بها بريطانيا إجمالاً.

وتقول سيلفيا باريت، مديرة الأبحاث في «مركز دراسات لندن»، أنه «في حين أن بعضهم قد يفسّر انخفاض الهجرة والنمو السكاني على أنه تخفيف للضغط على البنية التحتية والخدمات العامة، إلا أنه في المدى الأطول قد يهدد قابلية لندن للنمو ويضر بالاقتصاد في شكل كبير».

ووفق «معهد الإدارة» الذي يضم شركات ومؤسسات مالية كثيرة عاملة في لندن، فإن 33 في المئة من أعضائه يدرسون خفض الاستثمارات في بريطانيا، و25 في المئة يدرسون نقل المقر إلى مكان آخر، و25 في المئة يدرسون تجميد التوظيف.

باختصار لندن وسكانها أمام منعطف تاريخي. والحفاظ على جاذبيتها للبريطانيين والمهاجرين من الاتحاد الأوروبي مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مكانتها كأكبر مركز مالي في أوروبا. ولضمان أن يكون للندن وسكانها الكلمة الأولى في مستقبلها، يتطلّع عمدتها صديق خان ومعه «غرفة تجارة لندن» إلى أن تكون للعاصمة مزيد من الصلاحيات، على غرار مانشستر أو نيويورك أو باريس، في ما يتعلق بنسبة الضرائب التي تخصص لها وكيفية إنفاقها. فوفق النظام الحالي يحق لبلدية لندن أن تقرر في كيفية إنفاق 7 في المئة فقط من الضرائب التي تحصّل منها، ويريد خان أن ترتفع تلك النسبة إلى نحو 14 في المئة. ويقول كولن ستانبرديج رئيس «غرفة لندن التجارية»: «لدينا سيطرة محدودة جداً مالياً في ما يتعلّق بالضرائب التي تجمّع من لندن. نريد مزيداً من السيطرة، والتحكّم بما لا يقل عن 14 في المئة من الضرائب التي تحصّل وذلك للاستثمار في لندن لضمان أن تظل المدينة تنافسية».

كما تريد «غرفة لندن التجارية» ومكتب المحافظ أن يكون للمدينة نظام تأشيرة خاص بها. فالاقتصاد اللندني يعتمد في شكل كبير على العمالة الأوروبية خصوصاً في الحي المالي وقطاع الفنادق والمطاعم والخدمات الصحية. بمعنى آخر لا يمكن الندن أن تتحرّك وتدار من دون هذه اليد العاملة.

ويطلب ستانبرديج باعتماد نظام خاص للتأشيرات في لندن بالشراكة مع «مجلس الأعمال الاستشاري» التابع لمكتب المحافظ، ما يسمح للعمالة الماهرة من بلدان الاتحاد الأوروبي بالبقاء في المدينة وللوافدين الجدد بالدخول والخروج من دون الحاجة إلى تأشيرات طالما لديهم وظائف فيها. والأخطار ليست اقتصادية فقط، بل متعلّقة بهوية المدينة أيضاً. فقد ارتفعت نسبة الجريمة أخيراً في شكل لافت. كما ارتفعت الحوادث العنصرية ضد المهاجرين الأوروبيين والآسيويين. وبالنسبة إلى الكثر فإن لندن تتغيّر بسرعة وعلى نحو غير مرحّب به لا لسكانها ولا للمهاجرين إليها.