فيديو المتحرّش و «جدول أعمال المرأة المثالية» يفتحان الباب للـ «سترونغ وومان»

القاهرة – أمينة خيري |

على رغم أن المظهر العام للشارع يشير إلى غير ذلك، وصحيح أن الوضع العام في أذهان النسبة الأكبر من المصريين يميل إلى النقيض تماماً، إلا أن نموذج «سترونغ إندبندنت وومان» (المرأة القوية المستقلة) يفرض ذاته على المجتمع من دون جلبة أو صياح أو صراخ.


صراخ أثير «فايسبوك» الذكوري صبّ غضبه ولعناته على منة الشابة المصرية التي فاض بها الكيل من حجم التحرّشات في الشارع فصوّرت أحد المتحرّشين بها بهاتفها الخليوي وحمّلته على حسابها يفيد بكثير عما يجري في مصر. فعلى رغم صياح كثر، بين رجال متمسّكين بتلابيب «أن الرجل دائماً على حق» ونساء راضيات قانعات خانعات بأن المرأة كائن لا ينبغي أن يصدر له صوت أو ينجم عنه تململ أو يبدي اعتراضاً على متحرّش أو معتدٍ، إلا أن نبرات أخرى عبّرت عنها بوضوح، تدافع عن منة وحقها في التواجد في الشارع من دون سخافات أو رذالات أو تطاولات.

نموذج الفتاة أو المرأة المصرية المتمرّدة على أكثر من أربعة عقود من الحبس الانفرادي تارة باسم العادات والتقاليد وتارات باسم الدين، بات يسميه بعضهم «سترونغ إندبندنت وومان». وعلى رغم أن التسمية الجديدة قد تُستخدم على سبيل السخرية والاستهزاء، إلا أن معالمها واضحة لا محالة.

استحالة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ثبت عكسها في مصر، التي كانت تمضي قدماً إلى الأمام في خمسينات القرن الـ20 وستيناته، بين تعليم وانخراط في المجتمع وتقلّد مناصب رسمية مع نيل احترام الرجل وتقديره باعتبارها شريكاً لا تابعاً، عادت قروناً إلى الوراء مع هجمة شرسة لتفسيرات دينية متشددة تتعامل مع المرأة باعتبارها صفراً على اليسار باستثناء الحاجة إليها لممارسة الجنس أو التكاثر، متزامنة وانسحاب الدولة من قنوات التثقيف والتعليم والتحديث والتطوير تاركة الساحة لجماعات متشددة تعبث بالقيم والهوية.

وتشير الهوية المصرية المتجسّدة في أبو المطامير، إحدى المدن الصغيرة في محافظة البحيرة، إلى أن نهى عادل (30 سنة) ليست مجرّد شابة مغلوبة على أمرها. ووفق معايير العادات والتقاليد وحسابات الشكل المتشدد من التديّن الذي ضرب ربوع مصر في العقود الأخيرة، كان ينبغي أن تكون نهى قد تزوّجت منذ أعوام، وأنجبت طفلين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة. وفي حال لم تتزوّج كان يفترض أن تعيش من دون صخب أو جلبة خوفاً على سمعتها وسيرتها.

لكن نهى، التي تزوّج أشقاؤها وتوفيت والدتها، أصرت على أن تعيش وحدها في بيت الأسرة. ولم تكتفِ بذلك الخرق الأول للعادات والتقاليد، بل افتتحت حضانة في جزء من البيت، وفي الجزء الآخر قررت ألا تعيش وحدها فتبنّت ثلاثة كلاب. تقول: «الكلاب الوحيدة التي يعرفها أهل المدينة هي تلك الضالة الموجودة في الشوارع، أما أن يؤوي أحدهم كلباً في بيته، فهذا أمر غريب تماماً، بل ويرفضه بعضهم لتفسيرات دينية متشددة».

في البداية كانت الصدمة، ثم حان وقت «تلقيح الكلام». توضح نهى: «في الأوضاع العادية كان يتوقّع مني أن أصمت وأسلّم وأفعل ما يتوقعه مني المجتمع، لكني فعلت العكس تماماً. وقد جاء ردي على صعيدين: الأول بين جيراني وأقاربي حيث أقطن، حيث واجهت الجميع بأن هذا هو أسلوب حياتي وعليهم أن يحتفظوا بألسنتهم داخل أفواههم. والثاني كتبت «بوست» على صفحتي على «فايسبوك» التي أخصصها للتواصل مع أهالي الأطفال في الحضانة والذين يمثلون فئات مختلفة من أهل المدينة، مفاده أنني أعيش وحدي مع كلابي، وأنني لا أدين لأحد بشيء، وليس من حق أحد أي يطالبني بشيء، إلا كل ما هو قانوني فقط لا غير».

تشرح نهى أن طريقتها الصدامية حققت نجاحاً منقطع النظير إذ توقفت الغالبية عن التدخّل في شؤونها، ولكنها تضيف ضاحكة: «أحياناً يتوجّب علي إنعاش التهديد والوعيد وتذكير الجميع بالاحتفاظ بمسافة واضحة وكافية بينهم وبين حياتي، وكأنني أنقر على زر ريفريش!».

وينضح النقر على أزرار «لايك» و «شير» و «تعليق» و «تغريد» و «إعادة تغريد» و «إرسال رسالة» وغيرها على مواقع التواصل الاجتماعي، بكثير مما يدور في أعماق المجتمع المصري، ولا يتسق دائماً مع ما يبدو على السطح، حيث مجتمع محافظ تغطي الغالبية المطلقة من فتياته وسيداته رؤوسهنّ بـ «منديل التحفّظ»، لكن ما يحدث لا سيما بين الأجيال الشابة من سباحة عكس التيار المنغلق، جدير بالملاحظة.

ويلاحظ أن أعداداً متزايدة من الفتيات والشابات لم تعد تنظر إلى التحرّش باعتباره شراً لا بد منه، أو إنه جزء لا يتجزّأ من أن تكون أنثى في مصر. فهناك هيمنة ثقافية تدعمها قوى ذكورية تدور في دائرة واحدة لا ثاني لها، مفادها أن المتحرّش شخص مسلوب الإرادة لا حول له أو قوة، لا يملك سوى أن يفقد أعصابه وسيطرته على هرموناته ما أن يرى كائناً أنثوياً الذي يتوجّب عليه أن يحتشم ويتقوقّع إن أراد ألا يتعرّض لفقدان المسكين قدرته على التحكّم، أو أن يخرس تماماً ويتجرّع «حلاوة» التحرّش اللفظي والجسدي من دون أن يعترض، وإن فعل فإنه حتماً سيء السمعة متدنّي الخلق، وربما الدعارة حرفته.

لكن الملاحظ أيضاً أن المعارضات والمعارضين لهذا التوجّه الذكوري المريح باتوا أعلى صوتاً وأكثر ثقة في قدرتهم على الإقدام على الإعلام بأن لدى المرأة أو الفتاة القدرة على أن تكون «سترونغ إندبندنت وومان».

وقبل أيام تداول بعضهم على «فايسبوك» لائحة منشورة في موقع «ديني نسائي» تحت عنوان «جدول المرأة المثالية»، لا يخرج عن إطار إفطار الأولاد والزوج صباحاً، تنظيف البيت والغسل والطهي ظهراً، ثم استقبال الأولاد والزوج بعد الظهر وتغذيتهم، ثم مذاكرة الأولاد، ثم تجهيز العشاء، وأخيراً الاستحمام و «قلة الحياء» مع الزوج.

وفتح هذا التداول أبواباً موصدة على مدار العقود الأربعة الماضية، حيث التساؤل عما أصاب المرأة المصرية من فصام، بين كونها إنساناً مثل الرجل مع وجود فروق بيولوجية معروفة أو كائناً أدنى خُلِق لخدمة وراحة الآخرين وراحتهم.

ومع استمرار فتح الأبواب الموصدة بين جدل على موقف من تجرّأت على تصوير متحرّش، ومن قررت أن تضرب بقيود المجتمع عرض الحائط في مدينة صغيرة بعيدة من العاصمة، ومن اتخذن من «جدول أعمال المرأة» مدخلاً لإفساح المجال لمزيد من الـ «سترونغ إندبندنت وومان» للتواجد، يتململ المجتمع ويجتاحه حراك في محاولة لاستعادة ما سلب وما يمكن اكتسابه.