الغذاء والبيئة ينعشان «أمراضاً منقرضة» في الجزائر

الجزائر - أمين لونيسي |

أصيب وفد طبي زار محافظتي غرداية وايليزي جنوب الجزائر العاصمة بالذهول لدى معاينته عدد من السكان، عندما اكتشف إصابة نسب منهم بأمراض مصنّفة أنها «منقرضة» على غرار السعال الديكي والسل والليشمانيا والحصبة والتيفوئيد وأوبئة أخرى نادرة. ووجه الدهشة نقله الفريق الطبي، المؤلّف من 28 اختصاصياً، لدى إجرائه فحوصات للمرضى في أماكن إقامتهم شملت الأنف والأذن والحنجرة وطب الأطفال وأمراض الدم والعيون وجراحة القفص الصدري والأوعية الدموية والأمراض الجلدية والمعدة والأمعاء.


لجان تحقيق

عموماً، فتك داء «الحصبة الألمانية» قبل أشهر قليلة بحياة عدد من الأشخاص في مناطق الجنوب الجزائري، من دون أن توضح مصالح وزارة الصحة أسباب تفشّي هذا المرض وعلى رغم إيفاد لجنة تحقيق، بينما اكتفى مسؤولون حكوميون بتحميل الأهل مسؤولية رفض تلقيح أبنائهم.

ولا يقتصر الوضع على مناطق الجنوب، ففي الجزائر ككل تسجّل نسبة الوفيات بداء السل ما بين 100 و200 حالة سنوياً. ومقارنة بثمانينات القرن الـ20 وتسعيناته، أدّت عوامل عدة إلى ارتفاع عدد الإصابات، أبرزها المقاومة الشديدة التي أصبحت تبديها البكتيريا تجاه المضادات الحيوية المستخدمة، مع لفت الانتباه إلى خطورة انتشار العدوى بسرعة. فبمجرّد اكتشاف حالة إصابة تعمد المصالح الصحية إلى إجراء كشف وتحاليل لأفراد الأسرة جميعهم. أما وباء «الملاريا» المتنقل عبر الحشرات، فتؤكّد الحكومة تسجيل إصابات مستوردة سنوياً تقدر ما بين 400 و500 حالة. وما عدا ذلك، فإنها لم تسجل أي حالات مستوطنة منذ عام 2014، في حين تعهّدت بالقضاء نهائياً على الداء في حدودها الجنوبية، وفق الإستراتيجية الخاصة بعام 2020 والتي ستستمر إلى 2030.

ومع تزايد حوادث انعدام النظافة واختلاط قنوات مياه الشفة مع قنوات الصرف الصحي، يواصل داء «التيفوئيد» الانتشار في الجزائر، ولا يعتبر من الأمراض المنقرضة أو تلك التي تم القضاء عليها نهائياً، إذ سجلت حالات مرتبطة باستهلاك المياه من الآبار غير المراقبة، وحالات نادرة بعد استهلاك خضار وفواكه لم تُغسل جيداً، ورويت بمياه قذرة.

بيدَ أن داء الليشمانيا الجلدية التي تصيب الإنسان من طريق طفيليات، تشير إلى الوضعية الوبائية والانتشار المخيف له خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لتتجاوز الـ11 ألف حالة العام الماضي على المستوى الوطني، وبعدما تراجعت إلى أدنى مستوياتها في عام 2013 (نحو 6400 حالة).

أصل الوباء

بناء عليه، تحذّر عمادة الأطباء الجزائريين من عودة أمراض الكوليرا والتيفوئيد والطاعون وغيرها من الأمراض القاتلة، التي تنتشر عبر المياه القذرة التي تغرق بها الشوارع. فهذه الأمراض بكتيرية ومعدّية تنتقل بسرعة ويمكن تحوّلها إلى وباء حقيقي. وتقول العمادة أن المحيط الملوّث يشكّل مصدر الإصابة بسرطان الرئة والقصبات الهوائية، الذي يعرف انتشاراً كبيراً في الجزائر، إضافة إلى سرطان الأمعاء الذي يسببه الطعام غير المراقب، لا سيما المجفافات والملوّنات التي تستعمل في حلوى الأطفال.

لكن لعودة ما يسمّى «أمراض الفقر» المنقرضة كما يطلق عليها العارفون بخبايا الصحة العامة، رأياً أعمق يكشف أسباباً تتجاهلها الأوساط الرسمية وعلى علاقة مباشرة بالنظامين الغذائي والبيئي لدى شريحة واسعة من المواطنين، الذين تأثروا بتراجع القدرة الشرائية خلال الأعوام الأخيرة.

ويوافق عبد الحليم زغبو، الاختصاصي في الأمراض الصدرية والتنفّسية في مستشفى البليدة، على هذا الطرح لافتاً إلى أن تدنّي مستوى المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية في الولايات الداخلية تسبّب في ضعف الجهاز المناعي لدى كثيرين، وفي تفشّي أوبئة ودعّها الجزائريون قبل أعوام ليفاجأوا بعودتها.

ويشرح زغبو لـ «الحياة» كيف يمكن لحرمان الغالبية من الغذاء الصحي أن يضعف جهاز المناعة ويعرّضهم إلى أمراض كثيرة، خصوصاً ذوي الدخل المحدود ممن لا يستهلكون النسبة المطلوبة من البروتينات، لا سيما أن اللحوم البيضاء التي كانت في متناول الجميع سجلت أسعارها أرقاماً قياسية أخيراً، بينما قلة تستطيع شراء الأسماك.

وفضلاً عن ذلك، يعزو زغبو تسجيل أغلب الوفيات بسبب ما يعرف بأمراض الفقر، نظراً لعدم تلقي الأطفال التلقيح في الأوقات المناسبة.

ولا يساور أدنى شك حليمة أوكيلي، الاختصاصية في علم الأوبئة، حالة تأثّر الجنوب بظاهرة الاحتباس الحراري، ما يستدعي التعجيل في فتح مركز صحي يعالج الأمراض الاستوائية انطلاقاً من تعرّض هذه المنطقة إلى تقلبات جوية وقربها من النيجر ومالي، فينظّم حملات توعية ويحتضن ملتقيات علمية ودراسية بالتعاون مع اختصاصيين من أوروبا لمواجهة الظرف الطارئ.

فاتورة باهظة

وضمن السياق عينه وتجاوزاً لمعضلة الأمراض المنقرضة، يطالب اختصاصيون بإعلان حالة طوارئ حقيقية والتجنّد لإيجاد حلول عملية وفورية لاحتواء الوضع المتفاقم، من خلال الإسراع في اعتماد وزارة منتدبة لهذا الغرض تشارك فيها الوزارات الأخرى المعنية. ويرون أن قانون الصحة الجديد لن يغيّر شيئاً في الوضع الحالي كون المشكلة الحقيقية تكمن في التطبيق. كما يتطلّب الأمر اعتماد مبدأ «النظافة القاعدية» القائمة على نظافة المحيط في المدن بما فيها الكبرى منها التي تغرق في الأوساخ والمياه القذرة.

وتخصص وزارة الصحة وإصلاح المستشفيات موازنة سنوية ضخمة لمواجهة عودة الأمراض المعدية والمتنقلة عبر المياه والحيوانات، أو ما يعرف بأوبئة الفقر، وتقارب الـ6 ملايين دولار وفق التصريحات الرسمية.

وتتجاوز كلفة علاج المريض المصاب بالتيفوئيد 1200 دولار من دون احتساب نفقات أخرى غير مباشرة، في حين تتجاوز الكلفة الإجمالية لعلاج مرضى السل 4 ملايين دولار.

ولجأت مديريات صحية إلى إجراء تجارب على بعض أنواع النباتات التي تحتوي على مواد فعالة في علاج أنواع من الأمراض المنقرضة إلى جانب طرق وقائية، منها ضرورة تحسيس المواطنين بخطورة الأمراض المعدية وكيفية التعريف بالطرق البديلة لمواجهتها.