هل تشتري أسطولاً جويّاً مؤتمتاً في علبة حذاء؟ إنها تقنية «النانو»

آلات للقتال في معارك الجينات (موقع «نانوتكنولوجيا. أورغ»)
خالد عزب |

كيف سيكون شكل الطائرة المؤتمتة من نوع «درون» Drone التي تشتريها قريباً؟ ربما تحضرها أو تحضر أسطولاً جويّاً منها، إلى المنزل وهي ملفوفة في علبة صغيرة، كتلك التي يوضع فيها الحذاء! ليس الأمر غريباً، إذ أن النحلة هي الحجم المقبل لطائرات الـ «درون»، بل لنقل أن تلك المخلوقة الصغيرة الموصوفة بالدأب وإنتاج العسل، صار لها «نظير عسكري يوازيها حجماً، ربما «يطن» أو يحلق بصمت في أحد مختبرات وكالة «داربا» المختصة بالبحوث العلمية العسكرية المتقدمة. (لنتذكر مثلاً أنها الصانع الحقيقي لشبكة الإنترنت). ووفق مجلة «وايرد» الأميركية العلمية، صارت الـ «درون»- النحلة المحمّلة بمعدّات للتجسّس والمراقبة، جاهزة لدى البنتاغون، ولم يعد يعيق دخولها مجال العمل سوى... البطاريّة التي يجب أن تكون قوية وفائقة الصغر.


وقبل سنوات قليلة، لم يكن صنع تلك النحلة الروبوتيّة سوى خيال علميّ. ويجري العمل على تحقيق حلم صناعتها، بفضل التقدّم في مجموعة من العلوم والتقنيّات، تأتي على رأسها علوم الـ «نانوتكنولوجيا» Nanotechnology، التي ظهرت في الهزيع الأخير من القرن العشرين، وصارت بسرعة صناعة ضخمة، بل أنها تدخل في صناعات لا متقدمة لا حصر لها تمتد من الأدوات المنزلية إلى الطائرات المقاتلة ومركبات الفضاء وغيرها.

والأرجح أن بداياتها تجلّت بوضوح في 1986، عندما ألّف عالِم الفيزياء الأميركي أريك دريكسلر كتاباً عن آلات من ذلك النوع، بدت حينها خيالاً علميّاً صرفاً. حمل الكتاب عنوان «محركات التكوين». وبدا شبيهاً بكتب هـ. ج. ويلز «آلة الزمن» ، وجولز فيرن «عشرون ألف فرسخ تحت الماء» وإسحاق عظيموف «أنا روبوت» وغيرها، بمعنى الحديث عن عالم يتغيّر على نحو حاسم بفضل اكتشاف تكنولوجي جذري أو ثوري.

وظهر مصطلح «نانو تكنولوجي» في كتاب دريكسلر «محركات التكوين» ليصف علماً جديداً مهمته بناء تلك الآلات المتناهية الصِغَر. ويمكن ترجمة مصطلح «نانوتكنولوجيا» إلى العربيّة بكلمتي «التقنية النانويّة».

ولعل الشيء المهم هو أن دريكسلر وجد آليّة، ليترجم حلمه مشاريع حقيقيّة تتولاها شركات كبرى كـ «آي بي آم» و»آبل» و «لوسنت تكنولوجيز» و «هيتاشي» و «لينوفو» و «نوكيا» و «سامسونغ» وغيرها.

ويمكن شرح الفكرة الأساسية للتقنية النانويّة بأنها تطبيق علمي يعمل على إنتاج الأشياء عبر تجميعها من مكوّناتها الأساسيّة، كالذرّة والجزيء Molecule. وما دامت المواد مكوّنة من ذرات مرتصفة وفق تركيب معين، فمن المستطاع نأخذ ذرّة ونرصفها إلى جانب ذرّة أخرى وهكذا دواليك لصناعة... كل شيء تقريباً.

ولا يهم مصدر الذرّات أو الجزيئات ما دامت مناسبة. وتكفي خردة معدنيّة لأخذ ذرّات منها ثم إعادة رصفها وحبكها لصنع الـ «تيتانيوم»: المعدن الصلب الذي تصنع منه مركبات الفضاء. ولإنتاج الألماس، يكفي توافر الرمل أو الفحم، فتؤخذ منهما ذرّات وترصف رصفاً متيناً ودقيقاً. وفي رؤية أشد زهوّاً، جرى تصوّر آلات مجهرية تقدر على إمساك الذرّة الواحدة ونزعها من مكانها، و «لصقها» إلى جوار ذرات أخرى!

المعرفة أولاً و... أخيراً

بديهي القول إن تلك الصناعة تقتضي معرفة وافرة ودقيقة بتفاصيل تراكيب المواد، إضافة إلى تفاصيل هندسة الأشياء المراد صنعها، مع سيطرة قويّة على الذرات. ويرى بعض علماء الفيزياء أن العِلم لم ينته من التعرّف إلى مكونات الذرّة وقواها، كذلك تشير فيزياء الكم إلى استحالة التوصّل إلى قياس دقيق عند الوصول إلى مستوى الذرّة وما دونها. وتعطي تلك الملاحظات نموذجاً من الاعتراضات الجمّة على رؤية دريكسلر.

واستطراداً، لم يكن دريكسلر أول من فكّر في صناعة تكون على مستوى الذرة، ومقياس الأشياء فيها هو نانومتر، أي واحد على ألف من المليون من المتر، على رغم أهمية دوره في ظهور تلك التقنية.

إنصافاً، ترجع فكرة العمل بأشياء تكون في حجم النانومتر إلى عالِم الرياضيات الفذ جون فون فيينمان، مبتكر علم الحياة الاصطناعيّة، الذي ألقى في العام 1959 خطاباً ذائع الصيت ضمّنَهُ القول بإمكان بناء الأشياء بواسطة رصف ذراتها الواحدة إلى جانب الأخرى، شريطة أن تكون في نسق ملائم لما يراد التوصّل إلى صناعته.

وإذ تعوّد فيينمان تقديم مفاهيم العلم في أساليب اللعب والدعابة، قدّم سيناريو عن مباريات تقنية بين الثانويات العليا في الولايات المتحدة. وقال: «ترسل ثانوية «لوس أنجلوس» إلى ثانوية «فاينيس» إبرة كتب على رأسها عبارة: «ما رأيكم في ذلك»؟ ثم تتلقى ثانوية «لوس أنجليس» الإبرة نفسها بعد أيام لتكتشف أنّ الردّ نقش في النقطة فوق حرف «ذ» مفاده: «ليس اكتشافاً مثيراً»! إذاً، لا يدور الحديث على مجرد أوهام، بل ينبغي القول إن نانوتكنولوجيا باتت ثورة صناعيّة شاملة. وبات مسلّماً بأنها ثورة علميّة للقرن الـ21 تؤدي إلى تغيير شامل، على غرار ما أدى ظهور محركات البخار إلى الثورة الصناعيّة!

ويمكن وصف صناعة النانو بأنها إنتاج السلع والمواد انطلاقاً من مكوّنات أوليّة رخيصة وشائعة، تشمل النفايات. إنها أفق يجعل من إعادة التدوير Recycling إنتاجاً وسلعاً، بل ربما غيّر جذريّاً العلاقة بين الدول الصناعية المتقدّمة والبلدان المعتمدة على إنتاج مواد خـام.

نانو روبوت يحارب البكتيريا والسرطان

من الناحية النظرية، من شأن الـنانوتكنولوجيا أن تخفض تكلفة طائرة من نوع «جامبو جيت» إلى سعر سيّارة، وتطلق «مصانع» منزليّة في حجم فرن «مايكرووايف»، كما تنتج أجهزة تلفزيون وكومبيوتر وفيديو انطلاقاً من أكوام قمامة. وكذلك تستطيع الآلات التي فكّر بها دريكسلر أن تعمل على بضع نُثَر من اللحم لتنسج على منوالها شرائح لحم تكفي لإطعام عائلة! في السياق عينه، من المستطاع إنتاج روبوت في حجم بكتيريا، يدخل جسم الإنسان ويجدّد الأنسجة التالفة، ويصلح ما خرّبه التقدّم في العمر أو الإصابة بمرض مزمن، ويحارب الفيروسات والبكتيريا التي تسبّب الأمراض، ويقتلع الأورام السرطانية، والقائمة طويلة.

وربما ترسل جحافل من مركبات نانويّة ذكيّة إلى الأوزون لتصلح الثقب فيه. ماذا لو أفلتت السيطرة عليها، فأكلت كل أوزون الغلاف الجوي؟ عندها تهلك الحياة على الكرة الأرضية كلّها، بل تباد في لفح الحرارة والأشعة. بأثر من تلك الأسباب، تبدي دول متقدمة في العلم، كأميركا واليابان وألمانيا والصين، اهتماماً فائقاً بالنانو تكنولوجي، وتحيط بحوثها العميقة بجدران سميكة من السريّة.

وفي سياق اهتمام عربي متصاعد بعلوم النانوتكنولوجيا، صدر عن «مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا» كتاب قيّم من تأليف الدكتور محمود سليم تحت عنوان «تقنية النانو وعصر علمي جديد». وللوهلة الأولى، ربما ينظر إلى الكتاب بوصفه مؤلّفاً في الثقافة العلمية، لكن المدقّق يجد أن الكاتب غاص بعمق في ذلك التخصص العلمي الذي بات يغزو يوماً بعد يوم تخصصات كثيرة. ويعرف الكاتب تقنية النانو بأنها تقنية المواد المتناهية في الصغر، أو هندسة المنتجات المتناهية في الصغر التي يشتق أسمها من مصطلح النانومتر كوحدة قياس، وهي تساوي واحداً من بليون من المتر، أو ما يعادل جزءاً من ألف مليون جزء من المتر. ولتقريب تلك المسافة إلى صورة مألوفة، يمكن القول إن النانومتر هي مسافة أقل بثمانين ألف مرة من قطر شعرة الإنسان.

ويورد الأميركي توماس كيني، وهو مختص بالنانو من جامعة ستانفورد، أمثلة على ذلك الحجم منها: ارتفاع قطرة ماء بعد بسطها كلياً على مساحة متر مربع واحد، أو معدل نمو ظفر الإنسان في الثانية الواحدة، مشيراً إلى أنّ سمك الورقة العادية المستخدمة في الكتابة يصل إلى مئة ألف نانومتر!

الخلية الحيّة بوصفها مصنعاً نانويّاً منذ وجودها الأول

حدثت طفرة نوعيّة في الاهتمام بتقنية النانو في خواتم حقبة التسعينات من القرن العشرين. وآنذاك، أجرى «المركز العالمي لتقويم التقنية» World Technology Evaluation Center دراسة تقويمية في بحوث النانو، وأهميتها في الإبداع التقني. وخلصت الدراسة إلى نقاطٍ من أهمها أن لتقنية النانو مستقبلاً عظيماً في المجالات الطبية والعسكرية والمعلوماتية والإلكترونية والحاسوبية والبتروكيميائية والزراعية والحيوية وغيرها. كما لاحظت أن تقنية النانو تملك خلفيات متعددة، إذ تعتمد على مبادئ الفيزياء والكيمياء والهندسة الكهربائية وغيرها، إضافة إلى تخصّصات تشمل علوم الأحياء (بيولوجيا) والصيدلة.

ومن ذلك المنطلق، يفترض بالباحثين في أحد تلك المجالات أن يتواصلوا مع أنداد لهم في مجالات اخرى، بهدف الحصول على خلفية عريضة عن تقنية النانو، والتوصل إلى مشاركة فعالة في ذلك المجال المثير. كذلك يفترض بالإداريين المشرفين على صناعات النانو وبحوثها، أن يكونوا من الملمين بذلك المجال، ولو بصورة نسبيّة.

ويرى كثير من المتفائلين في مجال تقنية النانو، وكذلك بعض الحكومات، أن تقنية النانو تعطي فوائد عدّة من بينها:

1- توفير مواد حميدة بيئياً كي تستخدم في توفير موارد نظيفة للمياه.

2- إعطاء محاصيل وأغذية مهندسة وراثياً من شأنها المساهمة في وفرة الإنتاج الزراعي وزيادة محاصيله، بأقل متطلبات للعمل.

3- تعزيز ودعم نواحي التغذية التفاعلية الذكية للأغذية الرخيصة والقوية.

4- زيادة القدرة التصنيعية النظيفة التي تتمتع بكفاءة عالية.

5- زيادة سعة تخزين المعلومات، وتعزيز وسائل الاتصالات المتطوّرة وأدواتها وأجهزتها.

6- تصنيع أجهزة تفاعلية ذكيّة متقدمة من شأنها الارتقاء بمستوى الأداء البشري.

وحري بالذكر أن تقنية النانو لم تعد مجرد مادة للاشاعات والرؤى المستقبلية، بل صارت تولّد تجارة متوسّعة، ومنتجات مفيدة. وباتت تلامس حياتنا فعلياً بطرق متنوّعة، استناداً إلى كونها هندسة صناعية تعمل على مستوى الجزيئات وتهدف إلى ابتكار مواد وأجهزة مفيدة. وحاضراً من المستطاع العثور على منتجات التقنية النانوية في السيارة التي نقودها، ودهان جدران المنازل التي نقطنها، إضافة إلى مساهمتها في تحسين تشخيص الأمراض، وتطوير مكونات مواد البناء والبلاستيك، وتحفز ابتكار طرق نوعية في تطوير التقنيات الإلكترونيّة والمعلوماتية، خصوصاً المتعلقة بالكومبيوتر والروبوت.

المواد نفسها لكن خصائصها مبتكرة نوعيّاً!

يعتمد مفهوم تقنية النانو على أن الانتقال بجسيمات المواد إلى مستوى النانومتر، يعطيها خصائص وسلوكيات جديدة. وبالتجربة، ثبت أن المادة عندما تكون على هيئة جسيمات فائقة الصغر فإنها تتصرف وفق طرق مختلفة فيزيائياً وكيماوياً، عما تكونه خصائص المواد نفسها في حالها الطبيعية، بمعنى أن تكون على مستوى المقاسات الطبيعية المألوفة.

إذا لوحظ تغير في التركيب الإلكتروني ووصفات التوصيل الكهربائي والحراري ودرجة الانصهار والخصائص الميكانيكيّة وغيرها، عندما تصل جسيمات المواد إلى أحجام نانويّة بصورة فعليّة. وكلما اقترب حجم المادة من الأبعاد الذريّة، تخضع المادة لقوانين الميكانيكا الكمومية («كوانتوم ميكانيكس» Quantum Mechanics) بدلاً من قوانين الفيزياء التقليدية.

واستطراداً، تفيد تلك العلاقة بين سلوك المادة وحجمها، في التحكم بهندسة المواد وخواصها. وبذا، استنتج الباحثون أن تلك العلاقة لها آثار تقنية عظيمة، تشمل مجالات تقنية واسعة ومتنوعة على غرار إنتاج مواد خفيفة وقوية، واختزال زمن توصيل الدواء النانوي إلى الجهاز الدوري في الجسم البشري، وزيادة حجم استيعاب الأشرطة المغناطيسيّة لما يخزن عليها من معلومات ومواد رقمية، وصناعة مفاتيح حاسوبية سريعة وغيرها.

وعلى رغم حداثة تقنية النانو، ليس أمراً جديداً وجود أجهزة تعمل بذلك المفهوم، بل حتى وجود تراكيب ذات أبعاد نانويّة أيضاً. والمدهش أن تاريخ تلك الأشياء ربما يساوي عمر الأرض نفسها، وبداية ظاهرة الحياة فيها! إذ يشتهر عن الأنظمة البيولوجية في الجسم الحي أنها تولّف أنواعاً من «الأجهزة» الصغيرة جداً، بل يصل بعضها إلى حدود مقياس النانو. وبقول آخر، من المستطاع النظر إلى الخلايا الحيّة بوصفها مثالاً مهماً لتقنية النانو الطبيعية، إذ تعتبر الخلية مستودعاً لعدد كبير من الآلات البيولوجية (تسمّى كل منها «ريبوزوم» Ribosome) التي تكون بحجم النانو، وهي تتولى صنع البروتينات داخلها على شكل خطوط مجتمعة بحجم النانومتر. كذلك من المستطاع التفكير في الإنزيمات أيضاً بوصفها آلات نانويّة، ذلك أنها تتولى فصل الجزيئات أو تجمعيها، وفق حاجة الخلية.

وفي آفاق الصناعة المستقبلية أن من المستطاع للآلات النانوية المصنعة أن تتفاعل مع «نظيراتها» في الخلايا الحيّة كي تؤدي أهدافاً معيّنة كتحليل محتويات الخلية، وإيصال الدواء إليها، أو إبادتها عندما تصبح مؤذية وسرطانيّة.