«آلات خياليّة» أصبحت جاهزة ونالت جوائز علميّة

خالد عزب |

وفق كتاب الدكتور محمود سليم «تقنية النانو وعصر علمي جديد» الذي صدر أخيراً عن «مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا»، ظهرت مفاهيم مختلفة في تعريف تقنية النانو. وهناك من يعرفها بأنها «التقنية القادرة على تحقيق درجات عالية من الدقة في وظائف وأحجام وأشكال المواد ومكوناتها، وذلك الأمر يساعد على التحكّم في وظائف الأدوات المستعملة في ميادين الطب والصناعة والهندسة والزراعة والعقاقير والاتصالات والدفاع والفضاء وغيرها». وثمة من يختصر التعريف بالقول: «النانوتكنولوجيا هي علم التعامل مع أشياء أصغر من الصغر نفسه»!

وفي اللغة، اشتُقّ مصطلح «النانو» من الكلمة الإغريقية «نانوس» التي تعني «القزم الصغير»، وتعني أيضاً عالم الأقزام الخرافي المتناهي في الصغر. ويُستَخلَص من تلك التعريفات المتعددة، أن تقنية النانو تعني التقنيات التي تصنع على مقياس النانومتر الذي يعادل عشرة أضعاف وحدة القياس الذري المعروفة بالـ «آنغستروم» Angstrom، على اسم مبتكرها عالِم الفيزياء السويدي آندرياس جوناس آنغستروم (1814- 1874). وحاضراً، يتوقع أن تغزو تطبيقات علم النانو الصناعات كلها، بما في ذلك الصناعات الصيدلانية والبيولوجية كتقنيات الهندسة الوراثية وغيرها. وتزداد التوقعات ارتفاعاً في عالم الإلكترونيات مع دخول تقنية النانو إلى ما يعرف بالجيل الخامس الذي يعمل عبر السيطرة على حركة الذرّة المفردة، ويركب أدوات انطلاقاً من الذرّات.

ذكريات من «نوبل»

ليس أمراً مستقبليّاً ولا خيالياً. وطري في الذاكرة أن جائزة نوبل للكيمياء ذهبت في العام 2016، إلى ثلاثة علماء استطاعوا تركيب آلات ذريّة تشمل تروساً وسلاسل مسننة ورقاقة كومبيوتر ونانو- سيّارة. وآنذاك، جرى التنويه بالإنجازات النانوية لثلاثة علماء هم جان بيار سوفاج (مولود في باريس، 1944)، والسير فرايزر ستوددارت (أدنبرة- انكلترا، 1942)، وبرنار فرينجا (بارجير- كوباسكوم، هولندا، 1951). وأنجز الثلاثة أعمالهم العلميّة في جامعات ستراسبورغ (فرنسا)، و «نورث ويسترن» (الولايات المتحدّة)، و «غرونينغ» (هولندا)، على التوالي. وكوفئوا على تصميم آلات جزيئيّة وتركيبها. ومن الناحية العلميّة، تندرج الآلات الفائقة الصغر التي ركّبها العلماء الثلاثة من جزيئات المادة، ضمن تقنيات التصغير المتناهي للأشياء، إذ يأتي الجزيء بعد الذرّة مباشرة في المُكوّنات المستقلّة الصغرى للمواد كافة، كالقول بأن جزيء الهيدروجين يتألف من ذرتين. يكفي القول أن تطوّر الكومبيوتر وأدوات المعلوماتيّة والاتصالات المتطوّرة، يدفع بالتصغير بمعنى أنّه لولا التصغير لكان كومبيوتر المنزل العادي آلة بحجم ملعب غولف أو أكبر!

واستطراداً، ركّب العلماء الثلاثة جزيئات بطريقة تكون فيها متحرّكة بعضها على بعض، وكذلك تكون قادرة على نقل الحركة والطاقة، ما يعني أنها تشبه التروس والمحاور والعواميد والأذرع الميكانيكيّة، وبالتالي لا ينقص تلك الآلات الجزيئيّة سوى إيجاد طاقة مناسبة لتحريكها، كي تصبح آلات فعليّاً، تصنع منها أنواع لا حصر لها من الآلات الكبيرة. هل تريد عضلة اصطناعيّة تحل مكان الزند أو ربما القلب؟ يكفي تركيب مجموعة من الآلات المكوّنة من جزيئات البروتينات وبقية مكوّنات العضلات الطبيعية. هل تريد صنع طائرة «درون» تكون بحجم نحلة صغيرة، أو روبوت بحجم فراشة أو أصغر؟ ما عليك سوى أن تجمع أجزاءها من آلات جزيئيّة من السيليكون والكربون وغيرها. وفي 1983، ركّب سوفاج سلسلة تكوّنت كل حلقة فيها من جزيئينِ متمفصلين تماماً. وفي 1991، نَظَمَ ستوددارت حلقات جزيئيّة بطريقة جعلتها تتحرّك على عمود أفقي يشبه محور نقل الحركة في السيارة. وبعدها، صنع من تلك الجزيئات نماذج مصغّرة عن عضلات اصطناعيّة ورقاقات كومبيوتر. وفي 1999، سجّل فرينجا أنّه أول من استطاع صنع محرك من جزيئات، يحتوي مراوح دوّارة ومجموعة من التراكيب الجزيئيّة المتحركة. واستطاع أيضاً صنع أسطوانة زجاجيّة كبيرة نسبيّاً، ثم ركّب نانو- سيّارة أيضاً.