بداية مرحلة خطر

أسعد تلحمي |

ضمن ردود الفعل المختلفة والتساؤلات الكثيرة التي أحدثها قانون القومية الجديد الذي سنه الكنيست الإسرائيلي، والبند المتعلق باعتبار اللغة العبرية اللغة الرسمية الوحيدة في إسرائيل على أن تكون للغة العربية «مكانة خاصة»، تساءل بعض العرب في إسرائيل: «وهل سيمنعوننا من التحدث باللغة العربية في الحيز العام، في أماكن العمل أو المجمعات التجارية أو الجامعات وغيرها؟

بدا السؤال غريباً بعض الشيء واستبعد الرد عليه أن تبلغ الأمور هذه الدرجة. قيل إن الغرض من خفض مكانة اللغة العربية هو رسالة عنصرية من المؤسسة الحاكمة كأنها تقول فيها للعرب: «لا نقصد تحديداً أن لا تتحدثوا العربية، إنما نقصد أساساً التاريخ والثقافة والحضارة وهويتكم العربية الجمعية».

ليس جديداً هذا المس باللغة العربية، فقد كانت وزارة التعليم أول من فعلت ذلك حين قررت أن تدير بنفسها جهاز التعليم العربي وتُملي على المدارس العربية المضامين المسموح تعليمها، فاستثنت كل ما من شأنه أن يشكل بنظرها تثقيف الطالب العربي على تاريخه وحضارته وهويته القومية، ففرضت عليه، وما زالت، أن يدرس الشعر الجاهلي ومنعت روايات إميل حبيبي وأشعار محمود درويش من أن تكون بين أيدي الطلاب.


خلال الأسبوع الماضي، كاد استخدام اللغة العربية على أحد شواطئ حيفا أن يودي بحياة ثلاثة شبان عرب، باغتتهم مجموعة من الزعران اليهود بسلاسل حديدية وآلات حادة وانهالت عليهم بالضرب الوحشي والتلفظ بأبشع الشتائم العنصرية والوعيد لكل عربي يجرؤ على المجيء إلى الشاطئ، ما أوصلهم المشفى لتلقي العلاج.

ووفق الشبان المعتدى عليهم، تجول أعضاء المجموعة بين الناس على الشاطئ وسألوا من صادفهم: هل أنت عربي... حتى وقع الشبان الثلاثة ضحية لهم بعد أن سمعهم المعتدون يتحدثون بالعربية.

وأفاد شاب يهودي همّ لإنقاذهم من مخالب المعتدين، أن أكثر ما أزعجه هو أن الاعتداء الوحشي تم أمام نظر عشرات اليهود الذين وقفوا متفرجين من دون أن يتدخلوا ويفعلوا شيئاً لوقف الاعتداء الوحشي، أو حتى استدعاء الشرطة.

احتلت القضية العناوين الرئيسة في وسائل الإعلام العبرية التي حذّر بعضها من أن يكون الآتي أفدح وأخطر، لكن صوت وزير الأمن الداخلي أو القائد العام للشرطة لم يُسمع، فيما فضحت التعليقات على الحادث على شبكات التواصل الاجتماعي الوجه العنصري لغالبية المعلقين، ذكّرت بردود فعل مماثلة لأخبار تتناول مثلاً مقتل عرب في حوادث طرق وتعليقات عنصرية بأن عدد القتلى غير كافٍ.

دفع الشباب الثلاثة الذين اعتدي عليهم ثمن الانفلات العنصري القائم منذ سنوات كثيرة، لكنه بلغ أوجَهُ في ظل الحكومة الحالية الأكثر يمينيةً في تاريخ إسرائيل، انفلات تلقى مصادقة رسمية من قانون القومية الجديد الذي أبلغ القاصي والداني بأن هذه البلاد، بنظر المشرّع الإسرائيلي، هي لليهود حصرياً نافياً وجود وحقوق السكان الأصليين.

يتعرض الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1967 لاعتداءات يومية تحت أنظار جيش الاحتلال وحمايته، فيما يبدو أن آخر ما يعني الشرطة الإسرائيلية هو معالجة حوادث اعتداءات على مواطنين عرب. فهي في العادة تصل مكان الحادث بعد أن يكون انتهى بإصابات أو قتل، ويستغرق اعتقال المعتدين، إن «نجحت» في ذلك أصلاً، أشهراً وسنوات.

مرت خمسة أيام على الحادثة ولم تعتقل الشرطة سوى مشبوهيْن من مجموع عشرة معتدين، قامت المحكمة بإطلاق سراحهما بحجة عدم توافر البيّنات الكافية.

إن الخطر الكامن في حاث الاعتداء الأخير هو أنه قد يكون فاتحة ظاهرة جديدة يقودها عنصريون يهود لا يريدون رؤية عربي ليس على شاطئ البحر فقط، إنما أيضاً في المتنزهات العامة والمجمّعات التجارية، وقد يصل ذلك الجامعات وأماكن العمل، كل ذلك برعاية خطاب عنصري رسمي وشرطة متقاعسة وجهاز قضائي غير حازم.