«زرادشت» بترجمة فليكس فارس: نيتشه نازيّ رغم أنفه

ابراهيم العريس |

في تلك الأيام كانت الترجمة من لغة أوروبية الى العربية نوعا من الفنون الجميلة ومهمة رسولية يقوم بها مبدعون كبار همّهم أن ينشروا في مجتمعاتهم الناشئة حديثا، نصوصا وأفكارا يرون أن لا تقدّم في المجتمعات من دونها. ومن هنا ما نلاحظه في أحيان كثيرة، من إرتباط أسماء مبدعين عرب معينين بكتب كبيرة نقلوها الى العربية، وربما ما كان لها أن توجد في لغة الضاد لولا جهودهم تلك. نقول هذا ونفكر برفاعة رافع الطهطاوي وشبلي شميل وأحمد فتحي زغلول وأحمد لطفي السيد... واللائحة تطول. بل ثمة من المبدعين العرب من ارتبط إسمهم بكتاب واحد ترجموه وبدا أنه كان كافيا لإدخالهم ملكوت المجد الفكري. ومن هؤلاء اللبناني المقيم في مصر في ذلك الحين فليكس فارس الذي ارتبط إسمه الى أبد الآبدين بكتاب «هكذا تكلم زرادشت» للفيلسوف الألماني فردريك نيتشه. والحقيقة أن متصفح طبعة جديدة أصدرها المركز القومي للترجمة في مصر من ترجمة فليكس فارس النيتشوية هذه، ستدهشه صورة تصدرت صفحات الكتاب للمترجم العالم ويبدو فيها نسخة منقحة من... هتلر. فبشاربه المربع وخصلة شعره النازلة على جبينه وابتسامته الواثقة، يبدو من الواضح ليس فقط تفضيلات فارس على الصعيد الإنساني الشكلي، بل حتى على الصعيد الإيديولوجي السياسي. يبدو من الواضح أن إختيار فارس لترجمة هذا الكتاب كان عملا فكريا متعمدا لا مجرد القيام بعمل تنويري.


> والحال أن كثرا من القراء العرب منذ أواخر الأربعينات ثم الخمسينات والستينات وربما حتى أيامنا هذه يعرفون فليكس فارس، لمجرد ان اسمه موجود على غلاف كتاب «هكذا تكلم زرادشت» الذي، لسبب لا يمكن أبداً تحديده، يمكن اعتباره واحداً من أكثر الكتب المترجمة إلى العربية مبيعاً طوال تلك الفترة. وكانت ترجمة فليكس فارس للكتاب في حد ذاتها سبباً كافياً لإدخاله المجد، خصوصاً أن هذه الترجمة العربية الشهيرة كانت، وربما لا تزال، تباع على عربات بائعي الكتب الرخيصة الثمن. ويمكننا هنا أن نورد في هذا السياق فرضية تقول ان الكتاب إرتبط، عن خطأ أو عن صواب، بهتلر ونازيته اللذين كانت لهما حظوة كبيرة لدى قطاعات من الرأي العام العربي في ذلك الحين! كما أن كثرا من قراء جبران خليل جبران كانوا في ذلك الحين قد بدأوا يكتشفون القرابة بين الكتابين، بل حتى استفادة الكاتب اللبناني في «نبيّه»، من المفكر الألماني الكبير، «إستفادته» في الرسم والشعر من ويليام بليك... بيد أن هذه بالطبع حكاية أخرى.

> المهم هنا هو أن كتاب نيتشه ارتبط عربيا باسم فليكس فارس الذي لا بد من الإشارة الى أنه وضع للكتاب مقدمة وافية شرح فيها فكر نيتشه، بعبارات وتفاصيل لا شك أنها ساهمت في ربط فكر هذا الأخير بالفكر النازي الذي من الواضح أن فارس كان يتبناه تماما... بل يتبناه الى درجة أنه لا يتوانى عن انتقاد فكر نيتشه حين يبدو هذا الفكر على تناقض، ولو ضئيل، مع ما تدعو إليه نازية هتلر. وهكذا مثلا نراه يقول: «إن نيتشه المفكر الجبار الذي يفتح أمام الفرد آفاقا واسعة في مجال القوة والثقة بالنفس وتحرير الحياة من المسكنة والذل، تائقا الى إيجاد إنسان يتفوق على إنسانيته بالمجاهدة والتغلّب على العناصر والعادات والتقاليد وما توارثته الأجيال من العقائد الموهنة للعزم، يقف وقفة الحائر المتردد عندما يحاول إقامة مجتمع لأفراده المتفوقين بل يضطرّ الى نقض أولوياته القائمة على احتقار الرحمة أو الرحماء». أو «إن نيتشه يعلن إلحاده بكل صراحة ويباهي بكفره، غير اننا لا نكتم القاريء الكريم أن ما قرأناه بين سطوره (...) يحفز بنا الى القول بأننا لم نر كفرا أقرب الى الإيمان من كفر هذا المفكر الجبار...» أو «في اعتقادنا أن نيتشه قد فاق كل كاتب في تصويره واجب الإنسان نحو الحياة الدنيا لأن العلماء الماديين من جهتهم اعتبروا الحياة زائلة فما اهتموا لرقيّ الإنسان الأدبي فيها قدر اهتمامهم بإطالة حياته وإيلائه التنعم الأوفر بالجهد الأقل...»

> مهما يكن من أمر، لئن كان قراء العربية قد تلقوا اسم فليكس فارس وعمله الفكري على ذلك النحو، فإنهم دون أدنى ريب لم يعرفوا عنه أكثر من كونه مترجم كتاب نيتشه. ومع هذا فإن فارس، الذي رحل عن عالمنا في العام 1939، والناس مشغولة باندلاع الحرب العالمية الثانية، كان أكثر من مجرد مترجم - عن الفرنسية - لكتاب ألماني. كان واحداً من ألمع أدباء عصره، ومفكراً من ذلك الرعيل اللبناني الذي وجد في مصر مستقراً له، بعد تجوال في مناطق عدة من العالم. والمعروف ان فليكس فارس عاش خلال السنوات الأخيرة من حياته في الاسكندرية، بعد أن تجول بين حلب واسطنبول وأميركا.

> وفارس، الذي توفي في «عروس الساحل المصري» الاسكندرية، كما كان يسميها في مراسلاته، كان ولد قبل أكثر من سبعة وخمسين عاماً من ذلك في قرية صليما في المتن اللبناني لاب هو حبيب فارس كان بدوره أديباً وخطيباً عمل لفترة من الزمن سكرتيراً خاصاً لرستم باشا متصرف جبل لبنان. أما والدة فليكس فكانت فرنسية عشقت لبنان وأقامت فيه.

> ولد فليكس في العام 1882، وتلقى علومه الابتدائية في مدرسة بعبدات ومنها تخرّج وهو في السادسة عشرة من عمره متقناً العربية والفرنسية بإجادة، فعمل في التعليم في الوقت الذي راح ينشر فيه المقالات والخواطر الأدبية في بعض صحف تلك المرحلة مثل «أنيس الجليس» و»مجلة سركيس». وهو في العام 1909 وجد في نفسه القدرة على أن يحلق بجناحيه فأنشأ في ذلك العام صحيفة باسم «لسان الاتحاد» كانت في البداية أسبوعية، ثم حولها إلى يومية، لكنه بعد أكثر من عام بقليل وجد نفسه مرغماً على ايقاف صدورها والالتحاق بوظيفة رسمية في مدينة حلب حيث عمل مدرساً في المكتب السلطاني في عاصمة الشمال السوري. وهو بقي هناك حتى الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، مواصلاً الكتابة في الصحف، وبادئاً في ترجمة العديد من الكتب عن الفرنسية كان أولها، كما يبدو، كتاب عن «ارتقاء المانيا في فترة الخمس والعشرين سنة الأخيرة». وفي حلب تعلم التركية ثم اتصل بقيادة الحركة العربية التي كانت تتخذ من اسطنبول مقراً لها وعيّن سكرتيراً لجعفر باشا العسكري أحد قادة تلك الحركة. ويبدو أنه أقام في تلك الآونة بالذات علاقات جيدة مع الفرنسيين، الذين كانوا في طريقهم لأن يحلوا مكان العثمانيين الأتراك في السيطرة على سورية ولبنان. وبالفعل كسب فارس رهانه، وانتقل من التعاون مع الحركة العربية، إلى العمل تحت ظل الفرنسيين. وضمن هذا الإطار ارسله الجنرال غورو، الحاكم العام الفرنسي لسورية ولبنان، في العام 1921 وبعد ان استتب الأمر للفرنسيين بالقضاء على حلم الأمير فيصل في إقامة مملكة عربية، ارسله إلى بلاد المهجر الأميركي مع جان دبس، وكانت مهمته أن يروج للانتداب الفرنسي في سورية ولبنان، بين أعيان المهجر وأدبائه.

> وبالفعل توجّه فارس إلى الولايات المتحدة حيث اختلط بالأدباء والكتّاب وواصل نشر مقالاته وخواطره هناك بضع سنوات قبل أن يقرر في نهاية الأمر العودة إلى الشرق العربي. عاد إلى سورية ثم إلى لبنان متنقلاً بينهما، ثم استقر بعض الوقت في لبنان حيث اعتزل الوظيفة الرسمية التي عيّن فيها من قبل السلطات الفرنسية، واحترف المحاماة في الوقت الذي راح يترجم العديد من الكتب وينشرها. وفي العام 1931 قادته ظروفه لأن يترك لبنان مرة أخرى، حيث سافر إلى الاسكندرية وعُيّن رئيساً لقلم الترجمة في مجلس بلديتها، وهو العمل الذي ظل يشغله حتى نهاية حياته في العام 1939.

> إذا كان «هكذا تلكم زرادشت» المنشور في العام 1938 في الاسكندرية، هو أشهر ما ترجم فليكس فارس، فإن له أيضاً في ميدان الترجمة «اعترافات فتى العصر» لالفريد دي موسيه، إضافة إلى كتابه الذي ذكرناه أعلاه عن ارتقاء المانيا. وله في ميدان التأليف رواية «الحب الصادق» 1928، وقصة «شرف وهيام» وكتاب «النجوى إلى نساء سوريا»، كما ترجم إلى العربية قصيدة «رولا» المشهورة لألفريد دي موسيه، ووضع كتاباً فكرياً - سياسياً بعنوان «رسالة المنبر إلى الشرق العربي» كان في الأصل محاضرة ألقاها في الاسكندرية ودعا فيها إلى إحياء القومية في الشرق.