«ليلة فاوست الأخيرة» لعصام عبدالعزيز... معالجة كلاسيكية لمسرحية غوته

عبدالكريم الحجراوي |

تعددت الأعمال العربية التي تناولت أسطورة الشخص الذي باع روحه للشيطان، ومنها معالجة محمد فريد أبو حديد والتي جاءت تحت عنوان «عبد الشيطان»، و «فاوست الجديد» لعلي أحمد باكثير، و «نحو حياة أفضل» لتوفيق الحكيم، و «هوليوود البلد» لميخائيل رومان. وهناك أيضاً معالجة المسرحي المغربي عبدالكريم برشيد «فاوست»، ومعالجة السوري سعدالله ونوس «السراب». وتأتي مسرحية «ليلة فاوست الأخيرة» (الهيئة العامة لقصور الثقافة) للمصري عصام عبدالعزيز ضمن تلك السلسلة، وهي معالجة كلاسيكية تغلب عليها روح العصور الوسطى في الجانب الديني والسعي إلى التخلص من سيطرة رجال الكنيسة في عصر التنوير، ممثلةً أزمة الإنسان مع الحداثة؛ ما يعني أن الكاتب حافظَ على جوهر الأصل الألماني وإن أحدث تغيرات في الشخوص والأحداث. تبدأ المسرحية بأزمة السيد فاوست، أو التعقيد كما هو الحال في المسرح الأرسطي. فالتعقيد يبدأ من المشهد الافتتاحي للمسرحية، ما يجعلك في وسط الأحداث تسأل عن الأسباب التي أدت إلى تلك الحالة. فإذا نظرنا إلى مسرحية «أوديب ملكاً» لسوفكليس مثلاً نجد أنها تبدأ بالأطفال الذين يتضرعون أمام قصر أوديب ومعهم كاهن زيوس، طالبين من الملك أن ينقذهم من اللعنة التي حلّت بهم والطاعون الذي ضرب مدينة طيبة، لتأخذ المسرحية بعد ذلك طريقها في سرد أسباب هذا اللعنة، ويبدأ الصراع في الوصول إلى قمته، ثم تأتي النهاية ومعها الحل. وهو بالضبط ما يحدث في مسرحية «ليلة فاوست الأخيرة»، حيث يعاني فاوست من حزن عميق وندم، ثم يتكشف لنا بعد ذلك سبب هذا الحزن، وكيف باع فاوست روحه للشيطان، إلى أن يأتي الحل في نهاية المسرحية وإن كان مربكًا كما سيأتي تفصيله في ما بعد.


التزم عبدالعزيز وحدات أرسطو الثلاث؛ الحدث والمكان والزمان، فعرضت لفعلٍ واحد؛ أجزاؤه وثيقة الصلة ببعضها بعضاً، ولم يقدم من حياة فاوست سوى حدث واحد. وتظهر هنا وحدة المكان التي أشار إليها أرسطو بقوله «إننا لن نستطيع في التراجديا أن نقدم أحداثاً كثيرة في الوقت نفسه، بل يجب أن نحصر أنفسنا في الحدث على خشبة المسرح، وعلى الدور الذي يتقمصة الممثلون»، فأحداث مسرحية عبدالعزيز تدور في مكان واحد (منزل فاوست). أما وحدة الزمان فتبدو من عنوان المسرحية، التزاماً بأرسطو الذي جعلها دورة شمسية واحدة. وبسب إلزام الشعراء التراجيديين أنفسهم بقاعدة الزمن، وبوحدة المكان، أجبروا على استخدام السرد في مسرحهم، وهو ما يتجلى بكثرة بين ثنايا الحوار في «ليلة فاوست الأخيرة»؛ وذلك لأنها تعتمد على أسطورة تجبر الكاتب على الرجوع إلى الماضي لتفسير ما يحدث وكيف في الحاضر. ويقول الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي إن السرد يُقصَد به داخل النصوص المسرحية الإخبار مِن طريق الحكاية، لذا يتعارض مساره مع زمن المسرحية. فزمن المسرحية يسعى نحو التقدم إلى الأمام، بينما السرد ينعكس فيه الزمن إلى الوراء. وذلك الأمر أدى في هذه المسرحية بخاصة في فصلها الثاني إلى التكرار وأبطأ من حركتها التي من المفترض أن تكون سريعة بعيداً مِن إعادة الفكرة نفسها بأساليب مختلفة. ويلاحظ في هذا الصدد أن نقاد الحداثة يعتبرون مسرحية غوته خيرَ تمثيل لمأزق الحداثة التي تبنت شعارات غير قابلة للتحقق، في السعي إلى السيطرة على الطبيعة، وخلق عالم أفضل، وجعل العقل هو القائد نحو هدم الخرافات والعادات والتقاليد وصولاً إلى ذلك العالم المبتغى. وهو الأمر الذي نلمحه في معالجة عصام عبدالعزيز، خصوصاً لجهة السيطرة على العالم بالمعرفة التي منحها الشيطان لفاوست. هي سردية كبرى قامت عليها الحداثة وتنطلق من أن العلم قادر على توحيد الإنسانية تحت مظلة واحدة تتبنى قيم التحرر والمساواة والسلام الدائم، لكنها وصلت إلى كوارث كادت أن تقضي على كوكب الأرض بحربين عالميتين، وثالثة نووية متوقعة. وهو ما دفع الغرب - في تيار ما بعد الحداثة - إلى رفض مثل هذه السرديات الكبرى، بعد فشلها في تحقيق ما وعدت به. لكن هذه السردية الكبرى هي محل الصراع داخل المسرحية؛ فهل على الإنسان أن يؤمن بعقله وعلمه كي يسبر أغوار الكون ويتسيده؟ ودراسة الصراع تعد مسألة مهمة في تناول أي نص مسرحي، فهو كما يقول لايوس إيغري في «فن كتابة المسرحية»؛ علامة الحياة في كل عمل أدبي. وفي النص الذي نحن بصدده يتضح الصراع في الفصلين الأول والثاني بين الشيطان والإنسان وبين العلم والدين، بالإضافة إلى الصراع المستمر داخل فاوست، فإرادته الحرة أسقطته في عذاب نفسي بلا انتهاء: «ملعون ذلك النهم غير المحدود الذي دفعني إلى طلب المزيد من المعرفة المحرَّمة. ملعون عالم السحر الأسود الذي انجرفتُ نحوه. ملعون عِلم تنجيم النجوم وقراءة أصداف البحر... ألا يوجد أي أمل في العودة إلى الله؟ ألا توجد مغفرة حقاً للإنسان الخاطئ المرتد؟». وسبب هذه الأزمة كما ذكرنا أن فاوست أراد أن يعي مفهوم الوجود، فتعاطى السحر الأسود والانفصال عن الله على رغم أنه عالِمُ لاهوت في الأصل. وفي الفصل الثالث، يخبر أصحاب الأقنعة الثلاثة الذين لن نعرف هل هم شياطين أم ملائكة، فاوست بأن صراعه لم يكن مع الله، ولا هو بين الدين والعلم، إنما مع بشر، يعادون الطموح نحو الأفضل، هنا تتبدد مخاوف فاوست ويتلاشى شعوره بالخطيئة ويعلن أنه سيكمل طريقه نحو اكتشاف غوامض الكون وأسراره الغيبية. لكن سرعان ما يشك فاوست في ماهية أصحاب الأقنعة وفي كلامهم الذي يساوي بين المؤمن والملحد، وهو الكلام نفسه الذي يردده الشيطان، ما يدفعه إلى طردهم، مستودعاً روحه لخالق السموات والأرض بعد أن أكمل خطيئته وتوبته.

وهكذا يعود الصراع مجدداً حين يصف فاوست أصحاب الأقنعة بأنهم شياطين وليسوا البشارة التي طلبها من الله بقبول توبته، ما يترك القارئ في حيرة: هل هم ملائكة فعلاً وأن ما يعانيه فاوست كان نتيجة ضعفه الإنساني، أم أنهم أتباع الشيطان ويحاولون إغراءه في شكل محتلف حتى لا يتوب عما ارتكب من خطايا؟