بوغبا ومبابيه وجيرو وبافار... على طريق الهواية فالاحتراف

لوران مومجا |

معظم الفتيان ينتسبون إلى مراكز إعداد لاعبي كرة القدم في سن الـ13، ولكن نوادي الهواة هي التي تتولى صقل اللاعبين الهواة فعلاً. ولولاها لما حازت فرنسا لقب بطولة العالم في كرة القدم. وتتعهد النوادي إيقاظ اللاعبين الفتيان على اللعبة ورعاية خطواتهم الأولى في ميدانها. فانتسب مبابيه، وهو في العاشرة، الى نادي بوندي، طوال 10 سنوات، ثم 3 سنوات ونصف السنة إلى نادٍ بموناكو. وبوغبا تدرب 7 سنوات في رواسي- أون- بري، وسنة واحدة في تورسي، وانتقل بعهدها إلى الهافر، وتدرب هناك بين سن 13 إلى 16 سنة. وعلى هذا، لا يصح القول أن مبابيه وبوغبا وغيرهما تلقنوا مبادئ كرة القدم في موناكو أو الهافر. ففي سن الـ14 أو الـ15 سنة لا يسع التدريب تغيير اللاعب أو إنشاءه إنشاءً جديداً. وهم بلغوا ما بلغوه اليوم لأن الخامة الأولى عُركت وحُملت على الإقدام.


ولا تملك نوادي الهواة كلها تجهيزاً رياضياً كبيراً، وهي تلتزم منهجاً يقوم على التعليم والتسلية. ونوادي جيرو (بلدة فروج Frogesفي الشمال) أو بافار (بلدة جومان Jeumont، في الشمال) وغيرهما لم يسبق لها أن أخرجت لاعبين محترفين قبل هذين. وبعض النوادي وضع نصب عينيه إرسال لاعبين فتيان إلى مركز الإعداد. وهي في منزلة بين منزلة الهواية ومنزلة الاحتراف، وتعتاش على تعويضات الإعداد التي تقتطعها من قدامى لاعبيها الذين احترفوا اللعب. وهي حال نادي إيفرو الذي خرج منه عثمان ديمبيلي وستيف مانداندا. ونوادي الهواة تعتاش غالباً على مساهمات المحترفين غير المباشرة من طريق تسديد عوائد (من حقوق التلفزيون وأسماء الشركات على القمصان وحصة الفريق الفائز) أو مخصصات التدريب والإعداد. ولا يخلو الأمر من المراهنة والمضاربة: فإذا شئت أن تبلغ مرتبة نادي هواة من صنف أول، عليك أن تجتذب أفضل اللاعبين الفتيان في الدائرة الجغرافية وإرسالهم الى مركز، على رجاء احترافهم. فمنح المنطقة والمحافظة أو المدينة غير كافية.

في كرة قدم الهواة يتعلم اللاعب التكتيكات والتقنيات الاساسية مثل تمرير الكرة واختيار الموقع المناسب في الملعب. وأول ما يتعلمه الهواة هو اللعب المتضامن والمنسَّق. والمربون يعلمون اللاعبين، أولئك الذين تخطوا التاسعة الى العاشرة، أن ما يحصل عليه اللاعب وينجزه يدين به الى شركائه في الفريق. وحين يصبح محترفاً يسعه تحسين المستوى التقني والتكتيكي، أما التضامن ولحمة الفريق فيتلقنهما في مرحلة لعب الهواة. والمربون يرغبون في كرة قدم لا تقتصر على مركز رياضي يعهد إليه بالأطفال، ويريدون أن يعتنق الاولاد قيماً ومعتقدات. وفي بعض النوادي يميل كثير من المربين الى إعطاء دروس كبيرة في التكتيك، على شاكلة مارتشيلو بيلسا، ولكن معظم النوادي على علم بأن لاعباً جيداً يلعب في أحسن الاحوال على المستوى المحلي وليس على مستوى الاحتراف.

وسبق لنوادي الهواة أن استعانت كثيراً بصيغة العقود المدعومة. فهي تتيح للنوادي توقيع عقد مع اللاعب في الفريق الأول لقاء مرتب ثابت. ونوادٍ كثيرة من الفرقة الرابعة والفرقة الخامسة يلعب فيها لاعبون تخرجوا من مركز إعداد ويتقاضون 2000 يورو في الشهر. فإذا وجدوا أنفسهم من غير نادٍ (محترف) انخرطوا في نوادي الهواة. ولكن موارد هذه النوادي قليلة وليس في مستطاعها تسديد مرتب للاعبين. وتستدرج اللاعبين، في هذه الحال، بواسطة وظائف مدعومة بصفتهم مربين (مدرسين)، وعلى أن يتموا دراسة تتوج بشهادة مهنية رسمية. وعلى هذا، فتقليص الموازنة وإلغاء العقود المدعومة يترتب عليهما نتائج ثقيلة على نوادي الهواة في غياب حل بديل.

حين حازت فرنسا بطولة العالم في 1998، تصدرت الأبنية النخبوية مثل المعهد الوطني لكرة القدم وكبار المدربين المشهد. وبذريعة الإخفاق في 2010 في كنيسنا( جنوب أفريقيا)، أعيد النظر في كل شيء. وعلى رغم هذا، أعطى الفتيان نتائج باهرة، وفرنسا حازت المرتبة الاولى في مجال تصدير اللاعبين. والمقارنة مع بلدان الجوار تدل على مكانتها. والسبب في هذا السبق هو نظام التشخيص. فلاعبون مثل بلاتيني أو لاركيه تركوا ناديهم وهم في سن بين 16 و19 سنة، وسبق إعدادهم في نادي هواة الى سن 17-18 سنة، وانتقلوا بعدها الى نادي محترفين. واللاعب الذي لم يوقع على عقد مرشح وهو في سن الـ13 يكاد يصح القول فيه إنه مقبل على الإخفاق. فاللاعب الذي لم يستدرج النظر إليه في سن الـ11 ضعيف الحظ في مستقبل حليفه النجاح.

وفي الاحوال الطبيعية أو السوية لا يحق لوكيل اللاعب أن يتقاضى أجراً من رياضي غير راشد بعد. وهو يعلم أنه حين يحترف اللاعب فجزاؤه كبير. وثمة جهتان: جهة مستشاري الفتيان، وهم على الأغلب أقرباء أو مدربون، وجهة «الكشافة» (المستطلعون الذين يعملون على صلة بأحد النوادي) الذين يرصدون لعب الفتيان في منطقة باريس والرون، على الخصوص، ويجندون من يرونه أهلاً لذلك. وتسود المنافسة الحادة اللهاث وراء اللاعبين. ففي بعض الأحيان يراقب 15 وكيلاً لاعباً واحداً. وقد يؤدي إقناعه بتوقيع عقد مع نادٍ من النوادي إلى انتهاك معايير خلقية كثيرة. وعائلة مبابيه قوية، وعلى دراية بطريقة المفاوضة على العقود، وتعرف كيف ترد الإغراءات، على خلاف غيرها من عائلات بعضها ميسور.

واللاعب البارز، على شاكلة مبابيه، لا يخطئ أحد ملاحظته. والكشاف الجيد يلاحظ لاعباً لم تدرجه المدونات بعد على لوائحها. وثمة 60 لاعباً في مركز إعداد واحد، يوزعون على 3 فئات عمرية. ويشرح نوادي حظيرة «ريد بول» (تملك الماركة نوادي سالزبورغ منذ 2006، ونوادي ليبزيغ منذ 2009) للاعب أنه لا يشارك في بطولة رفيعة المكانة، إلا أن هذه النوادي تساند عرض اللاعب المبتدئ على ملاعب أوروبا. والمشروع الرياضي لا يختصر في المال الذي قد يدخل جيب أو حساب اللاعب، على رغم أن نهج «ريدبول» وموناكو والرابطة (الليغ) الاولى واحد: توظيف عدد كبير من اللاعبين الفتيان وإعطاء مرتبات عالية.

ولا يحق للاعب أن يترك فرنسا قبل بلوغه الـ16 كم العمر. والنوادي الأجنبية تلاحظ اللاعبين وهم في الـ13 أو الـ14، وتلقي شباكها عليهم حين يبلغون الـ16 سنة. وقبل 4-5 سنوات كانت النوادي الأجنبية تعرض 20 ألف يورو - 30 ألفاً في الشهر. واليوم يعرض الفرنسيون 10 آلاف يورو على اللاعب الذي يعرض عليه النادي الأجنبي 40 – 50 الف يورو. و»تبيع» النوادي لاعبيها لقاء ثمن يحتسب على أساس كثير من العوامل، منها ثمن التخلي عن اللاعبين لاحقاً لقاء ... ثمن.

* مؤسس مدونة «آمال كرة القدم»، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 18-19/8/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي