ساحل مصر الشمالي مصيفان وثقافتان وبحر واحد

(الحياة)
القاهرة - أمينة خيري |

هو البحر ذاته، «الأبيض المتوسط»، وهو الساحل ذاته «الشمالي»، والطريق ذاته «الإسكندرية ومطروح الصحراوي»، والأشخاص أنفسهم «المصريون» الذين يعيشون في مصر.


لكن بين هذه القرى وتلك عالمين مختلفين إلى حد التناقض. وبين هذا الترفيه وذاك هوة عميقة لا مجال للتلاقي فيها. إنه مصيف المصريين الذي لا يمكن وصفه إلا بالمَصيفين المتعارضين على رغم المتاخمة الجغرافية، والتماثل الإثنوغرافي المفترض في أنحاء المحروسة بما في ذلك ساحل البحر المتوسط.

هذا الساحل في مصر ممتد من مدينة رفح في شمال سيناء إلى السلوم على حدود مصر الغربية مع ليبيا. لكن «الساحل» في عرف المصريين في العقدين الماضيين، هو ذلك الشريط الممتد من غرب مدينة الإسكندرية وحتى مدينة مرسى مطروح. وينسب إلى «الساحل» أنه قلب مفهوم المصريين للمصيف، فبدلاً من ملابس بحر ومظلة وسباحة نهارية، ومشي ليلي مع ذرة مشوية وفطير بالسكر في مدن مصر الساحلية، أصبح المصيف نوماً حتى العصر وحفلات راقصة واستعراضات مبهرة حتى فجر اليوم التالي.

المكان الذي كان حتى سنوات قليلة حكراً على الطبقة المخملية ذات القدرات الاقتصادية الخيالية وأساليب الحياة الغارقة في الرفاهية، لم يعد كذلك. قرى سياحية مثل مراقية وكازابلانكا ومارابيلا وغيرها عاصرت زمناً مختلفاً وعايشت أشخاصاً هجروها وفضلوا عليها منتجعات أحدث، إضافة إلى المسكوت عنه وهو الهرب من قدرة فئات اجتماعية غير مرغوب في وجودها في اقتحام خصوصية المكان.

خصوصية قرى الساحل الشمالي البازغ نجمها هذا الصيف تنبع من اقتصارها على نوعيات من المصريين باتت أقلية. تقول ناني فتح الله (42 سنة) من مرتادي «ألماظة باي»: «كنت من سكان مراقية قبل أكثر من 20 سنة. لم يكن يدخلها سوى مالكيها وجميعهم ينتمون إلى فئة اجتماعية متناغمة. وبمرور السنوات بدأت تتهاوى، وبدأ من يمكلون المال من دون أصول اجتماعية يقتحمونها بمظهر مختلف وأسلوب حياة مغاير، ما دفعنا إلى الهروب صوب قرى أخرى تطبق قواعد صارمة في نوعية من يدخلونها».

وقد جرى عرف الساحل الشمالي في مصر على أن يتحول إلى «ترمومتر» لقياس ما يدور في كواليس المجتمع من احتقانات طبقية مكتومة وتحولات اقتصادية محسوسة، وثقافية يخشى كثر من الخوض في التحدث عنها.

لكن يظل مشهد السيدتين المنتقبتين الجالستين على شاطئ إحدى القرى التي هجرها سكانها الأصليون وهما تطالعان صور حفلة شاطئية دارت على مرمى كيلومتر منهما، شديد الدلالة عميق المغزى. الحفلة، كما تبدو من الصور، عامرة بنساء وفتيات يرتدين ملابس البحر العادية في ظل غياب للـ «بوركيني»، ورجال وشباب و «دي جي» ومشروبات ومأكولات ولافتات رعاة لسيارات فارهة ومنتجعات جديدة.

الذكريات القريبة تشير إلى أن احتكاكات جرت في قرى سياحية أبرزها «مارينا» قبل سنوات. فبين انتقادات من منتقبات لمن يرتدين ملابس بحر اعتبرنها خارجة، ومنع منتقبات ومحجبات من دخول مطاعم وشواطئ بعينها وشعور الطرفين بعدم الراحلة لوجود الآخر، أصبحت سمة الساحل الشمالي إحلال القرى التي يجري «غزوها» بأخرى تطبق قواعد فاصلة ومعايير عازلة تضمن عدم اختلاط هؤلاء بأولئك تفادياً للاحتقانات وترسيخاً للفروق، وذلك في «مصر التي في الساحل».