برامج الـ «توك شو» على الشاشات المصرية: أحزاب سياسية ومنابر نيابية ومناشدات إنسانية

القاهرة – أمينة خيري |

بينما تجرى عمليات حثيثة لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي المصري، يصفها بعضهم بالتنظيم، وينعتها بعضهم الآخر بمزيد من التقييد، يعود إلى ما تبقى من برامج الـ «توك شو» على الساحة دورها الذي تحول من طرف نقيض الانتقاد قبل سنوات إلى الطرف الآخر حيث تحميلها ما لا تحتمل. تحميل برامج الـ «توك شو» التي أصبحت الأشهر والأوسع انتشاراً والأكثر مشاهدة على مدار العقدين الماضيين فوق ما تحتمل، حولها من محتوى إعلامي هدفه الإعلام والإخبار والنقاش والترفيه إلى أدوات سياسية واجتماعية وترفيهية. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت هذه البرامج بديلاً للأحزاب السياسية والمنابر النيابية والمناشدات الإنسانية والجمعيات الخيرية.


«الخير» وأهله وحبه وسبله والباحثون عنه والمساهمون فيه، تحولت إلى فقرة ثابتة في كثير من البرامج التلفزيونية. «سميحة» في مداخلة هاتفية تطلب مقعداً متحركاً وعلاجاً طبيعياً بعدما أقعدها مرض الشلل الرباعي. و «حسين» في رسالة عبر بريد البرنامج الإلكتروني يعرض حالته الاجتماعية، بعدما فقد عمله إثر إصابته بجلطة دماغية ولديه أربعة أطفال. و «زينات» تبحث عبر رسالة نصية قصيرة على رقم البرنامج عن شقة متواضعة تعيش فيها مع أبنائها الثلاثة وأمها المريضة وحماتها القعيدة بعدما تُوفيّ زوجها وباتت عاجزة عن دفع إيجار الشقة.

وتتوالى المناشدات الإنسانية عبر عشرات، وربما مئات المداخلات في كل ليلة على أثير الـ «توك شو» في فقرته الخيرية. ويبدو أن الأوضاع المعيشية والمشكلات الاقتصادية تدفع بعضهم لاتباع حيل تلفزيونية غير مسبوقة لعرض مشكلته أو التقدم باستغاثته على أثير البرامج التي تحظى بنسب مشاهدة عالية، ولكن لا تحوي فقرات للخير وأهله ومستحقيه.

وقبل أيام، استقبل برنامج طهي شهير مكالمة هاتفية من «صديق البرنامج» الذي بدأ البداية المطلوبة حيث تحية لـ «الشيف» ثم طلب طريقة عمل الكوسا بالبشاميل، قبل التفوه بسرعة الصاروخ بجملة مفادها إنه يحتاج مساعدة مالية عاجلة ورقم هاتفه كذا، ليتم قطع المكالمة على الهواء.

وعلى الهواء مباشرة، وفي كل ليلة وفي كل صباح، وفي كل برنامج «توك شو» يبدو واضحاً أن الغالبية المطلقة من هذه البرامج موكل إليها مهام سياسية واجتماعية ونفسية إضافية.

الظهور شبه اليومي، سواء حضوراً في الاستوديو أو صوتاً عبر مداخلة هاتفية- للمتحدثين باسم الوزارات المصرية، تحول إلى جرعة فيتامينات معرفية ومكملات أخبار رئيسة، إضافة إلى تلقي جزء من الاستغاثات والمناشدات والشكاوى الشعبية.

وفي ظل الغيبوبة الحزبية الضاربة التي تميز المشهد السياسي المصري، يلعب بعض هذه البرامج دوراً شبه حزبي، شبه انتقادي، شبه عارض لبدائل، لسياسات أو إجراءات أو تحركات ينوء بحملها المشاهد، وذلك في إطار المساحة التي لا تعرض المذيع والضيف والمعد ورئيس التحرير لخطر المساءلة.

المساءلات التي تحفل بها برامج الـ «توك شو» المصرية بدءاً بحوادث التحرش الفيروسية، مروراً بجرائم القتل العنقودية، وانتهاء بتصرفات بعض المسؤولين الهزلية، هي أيضاً تقوم بدور الصحف الحزبية المهدورة والشخصيات المعارضة المركونة، وذلك أيضاً في إطار المساحة التي لا تعرض أحداً لمساءلة أو مخاطرة.

الأخطار التي يتسبب فيها عدد من برامج الـ «توك شو»– بحسب ما يقوله بعض المتابعين والمحللين- يتلخص في تأليب الرأي العام وتخويف المواطنين وإشاعة البلبلة وإثارة العكننة.

مقالات رأي تنشر في صحف مصرية تحمل اتهامات من شخصيات تسعى لأن تكون «عامة» أو تبحث عن موقع في الدولة تتهم فقرات بعينها في برامج «توك شو» ذات نسب مشاهدة عالية بـ «إثارة الرأي العام ونشر البلبلة والتحريض على الفوضى». وعادة تدور الفقرات المشار إليها حول إما قضايا فكرية مثل فرضية النقاب والحجاب، وإما مسائل معيشية مثل أسعار السلع والمنتجات، وإما ملفات أمنية مثل فوضى المرور وشيوع نوعيات غريبة من جرائم القتل والتحرش والخطف.

وإذا كانت مثل هذه الفقرات تحظى بنسب مشاهدة عالية ما يدعو بعضهم إلى التربص بها، فإنها تشبه إلى حد كبير مكانة صفحات الحوادث في الصحف المصرية المحلية قبل سنوات مضت. يقول أحمد يونس (45 سنة) (موظف أمن) إنه كان يشتري صحيفة «الجمهورية» يومياً حتى نحو ثماني سنوات مضت. «كان سعرها 75 قرشاً ثم ارتفعت إلى جنيه واحد. كنت لا أقرأ فيها سوى صفحتي الحوادث والكرة. اليوم راتبي لا يسمح لي بإهدار جنيهين يومياً لمتابعة حوادث وأخبار مباريات ترد يومياً في برامج الـ «توك شو» الليلية. مقدمات هذه البرامج أشبه بصفحة الحوادث ولكن أكثر إثارة حيث التقارير المصورة ولقاءات مع المجرمين وأهالي الضحايا وكل ذلك من دون مقابل».

وفي مقابل تحول جانب من البرامج إلى صفحات حوادث مثيرة، يجري ملء بقية الأثير بفقرات يشعر المشاهدون إنها تسد فراغات عدة في حياتهم. هي بديل لـ «رذالة» الموظف العام الذي يأبى أن يمد المواطن بمعلومة كاملة أو خدمة شاملة. تقول نادية منير (50 سنة) (ربة بيت) إن «الجانب الأكبر من معلومات المصريين عن الضريبة العقارية الجديدة مستمد من الأثير التلفزيوني وليس موظف الضرائب النكدي». وهي كذلك متنفس للباحثين عن حديث ذي مسحة سياسية أو لمحة انتقادية لما يجري على أرض مصر من سياسات وإجراءات. تقول منير: «على رغم أنه لم يعد وجود لنقاشات الرأي والرأي الآخر إلا في أضيق الحدود، لكن الحوارات تضفي هالة من الحياة والصخب حول سياسات تحدث من حولنا».

وحول المشاهد المصري وأمامه وفوق رأسه ونصب عينيه، سيجد نفسه محاصراً بالـ «توك شو» سواء كان يشاهدها دائماً أو أحياناً أو موسمياً أو لا يشاهدها أبداً. «حقيقة جاكيتات ضيوف برامج التوك شو»، «مكافآت لا يتقاضاها ضيوف التوك شو»، «تعرف إلى ضيوف برامج التوك شو الليلة»، «تغييرات في خريطة برامج التوك شو»، «تعرف إلى رواتب ملوك التوك شو»، «توقف توك شو كذا»، «بدء توك شو كذا»... عينة بسيطة من عناوين الصحف.

ومن الصحف إلى لافتات الشوارع التي تخاطب كل حواس المارة، حيث إعلان عن برنامج جديد أو إشهار لانتقال مذيع شهير من هنا إلى هناك أو تنويه عن أن قناة كذا باتت تتبع شركة كذا.

ومن نجح في الهروب من كل ما سبق، فإنه حتماً سيقع فريسة لحكاية زميل عن فقرة وردت في برنامج الأمس أو رواية زوجة عما قيل في برنامج الصباح أو قيل وقال الشارع حول ما جرى في الصبح والمساء على أثير الـ «توك شو». وما كل ذلك إلا إثبات بأن الـ «توك شو» صار بديلاً للأحزاب، وناطقاً باسم السياسات، ومناقشاً لما تيسر من إجراءات، ومطوقاً لمن يهرب من أثير الشاشة إلى قيل وقال الأهل والأصدقاء.