ما الذي ستفعله القيادة الفلسطينية؟

ماجد كيالي |

ما يفترض إدراكه جيداً من جانب القيادات الفلسطينية، في المنظمة والسلطة والفصائل، ومن جانب السياسيين والمثقفين والنشطاء الفلسطينيين، من المهتمين بالشأن العام، أن الأزمة الفلسطينية لم تعد تتعلّق، هذه المرة، بالتحديات التي تواجهها حركتهم الوطنية، ضعفها، واختلافاتها، وتقادمها، وفوات شرعيتها، واستراتيجيتها المضطربة، وتوظيفاتها الخارجية، وأيضاً الاختلال الفادح بينها وبين إسرائيل في موازين القوى والمعطيات العربية والدولية، فقط، إذ هي باتت تتعلّق، أيضاً، بالمسارات الجارية التي تمهّد، أو تفضي، أو تسهّل، محاولات إزاحة قضية فلسطين من جدول الأعمال العربي والدولي، وحتى الإسرائيلي، جملة وتفصيلاً.


في هذا الإطار، يجدر بالمعنيين التعامل بجدية وبمسؤولية وبحذر بالغ مع عديد من المعطيات وأهمها:

أولاً، سعي الإدارة الأميركية الحالية الى تغيير مبنى القضية الفلسطينية، صحيح أن الإدارات المتعاقبة ظلت منحازة إلى إسرائيل، وظلت تغطي سياساتها، لكننا اليوم إزاء إدارة تتبنى على نحو واضح، وبجرأة بالغة، قلب الطاولة على كل شيء، بما فيها على اعتبارها راعياً نزيهاً ووسيطاً محايداً وطرفاً موثوقاً، في ما اعتبر، منذ قرابة ثلاثة عقود، بعملية السلام. وقد تمثل ذلك، كما شهدنا، في اعتراف إدارة ترامب بالقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، وتجاهلها بناء المستوطنات في الضفة، لا سيما مع سعيها الى شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، من خلال خطوتها المرتقبة (ربما الشهر المقبل) في شأن وقف تمويل وكالة «أونروا» (لغوث وتشغيل اللاجئين)، وإعادة النظر بتعريف اللاجئين الفلسطينيين، بما يحصر عددهم بنصف مليون، بدلاً من خمسة ملايين، أي عبر إخراج أولاد وأحفاد اللاجئين (1948) من إطار هذا التعريف، وتحميل مسؤولية النصف مليون لاجئ للسلطة الفلسطينية. وما ينبغي إدراكه هنا، أن ثمة في الواقع ما يسهل على الإدارة الأميركية مثل ذلك التوجه، الذي لا يقتصر على عجز تمويل المنظمة المذكورة، لعدم وفاء بعض الدول بالتزاماتها، عن سابق تصميم، فقط، إذ إن هذا الأمر يشمل، خصوصاً، اختفاء مخيمات أو مجتمعات اللاجئين، في بلدان اللجوء الأساسية، لا سيما في لبنان وسورية والعراق والأردن (في البلدان الثلاثة الأولى بحكم التشريد واللجوء ثانية وتالياً التوطن في بلدان غربية، والمواطنة في الأردن)، كما يشمل ذلك غياب الإجماعات الوطنية الفلسطينية، وتهميش منظمة التحرير، التي ظلّت لنصف قرن في مثابة الكيان السياسي المعنوي الموحد للشعب الفلسطيني، لمصلحة سلطة تحت الاحتلال، والمشكلة أن ذلك تم، بين أسباب أخرى، بإرادة القيادة الفلسطينية، أو بحكم الطريقة التي أدارت بها الوضع الفلسطيني، منذ عقدها اتفاق أوسلو (1993)، بإعطائها الأولوية لكيان السلطة، في مقابل إبقاء المنظمة كإطار هامشي، ضعيف، ومن دون أي محاولة لإعادة البناء والتجديد والتفعيل، التي تحتاجها المنظمة بالفعل ومنذ زمن. ومعلوم أن المجلس الوطني الفلسطيني عقد ثلاث دورات له، خلال 27 عاماً (1991 - 2018)، الأولى في 1996، والثانية في 2009 (لترميم عضوية اللجنة التنفيذية) والثالثة أواخر نيسان (أبريل) من العام الحالي، أي أنه عقد دورتين عاديتين في ربع قرن من قيام السلطة، في الضفة والقطاع المحتلّين (1967)، بموجب اتفاق أوسلو.

ثانياً، تهميش القضية الفلسطينية على الصعيد العربي، إذ غابت تماماً مصطلحات أو مفاهيم الصراع العربي - الإسرائيلي، وباتت المسألة تتعلق بمجرد صراع فلسطيني - إسرائيلي، لكن ليس على الكليات، وإنما على الجزئيات، فقط، بحيث باتت المسألة تتعلق ببناء مستوطنة هنا أو هناك، أو بتخفيف الإجراءات التسلطية الإسرائيلية في المسجد الأقصى، وتخفيف القيود على دخول الفلسطينيين إلى القدس، وتخفيف السيطرة على المعابر. طبعاً، ثمة مسؤولية للقيادة الفلسطينية في كل ما حصل، فهي التي انتقلت من واقع حركة تحرر وطني ضد استعمار استيطاني عنصري، إلى واقع سلطة تحت الاحتلال، وهي التي أشاعت صورة مضللة، عند شعبها وعند العالم، عن إمكان استقلال الفلسطينيين في دولة، على رغم السياسات الإسرائيلية الواضحة، التي لا تتيح أي استقلال للفلسطينيين، في كل المجالات، أي ليس في المجالين السياسي والأمني فقط، وإنما حتى في المجالين الاقتصادي والإداري، وحتى الرئيس الفلسطيني ذاته، اعترف في خطابات له بأن الفلسطينيين لا يملكون سلطة، إذ إن السلطة ما زالت للاحتلال. أيضاً، الوضع على الصعيدين العربي والإقليمي ساهم في تهميش القضية الفلسطينية، إذ لم يعد ثمة نظام عربي، وإنما محاور عربية متنافسة أو متنازعة، كما باتت كل دولة عربية مشغولة بأوضاعها الداخلية، وبالتحديات الخارجية التي تواجهها. ولا يمكن في هذا السياق إلا أن نذكر بدور إيران التي ساهمت سياساتها في خلق المحاور العربية المختلفة، وتهميش القضية الفلسطينية، بعد أن باتت إيران، بتدخلاتها وميليشياتها الطائفية والمذهبية المسلحة، خصوصاً في المشرق العربي (سورية ولبنان والعراق وحتى اليمن) لا تقل خطورة عن إسرائيل، بخاصة أنها استطاعت، في العقدين الماضيين، تقويض البنى الدولتية والمجتمعية في البلدان المذكورة، أكثر مما استطاعت إسرائيل في سبعة عقود. والمشكلة أن ذلك كله حصل مع ادعاءات إيران اعتبارها قضية فلسطين قضيتها المركزية، ومع كل ادعاءاتها عن الصراع مع إسرائيل، ودعم المقاومة. هكذا تمت إزاحة قضية فلسطين من سلم الأولويات في الأجندة الدولية والإقليمية والعربية، من الناحة العملية، على رغم بقائها مجالاً للادعاء والتوظيف والمزايدة في الخطابات السياسية لهذه الدولة أو تلك. لذا، فلعل هذه المعطيات، الفلسطينية والعربية والإقليمية، هي التي شجّعت الإدارة الأميركية في محاولاتها تغيير مبنى قضية الفلسطينيين، وتشديد الضغوط على قياداتهم، لفرض الإملاءات عليها، ما يسمح، ربما، بخلق واقع جديد على هذا الصعيد، قد يفتح على أفق آخر لعلاقة إسرائيل مع دول المنطقة، يختلف تماماً عما كان سابقاً، أي منذ إقامة إسرائيل.

ثالثاً، كما قدمنا، فإن القيادات والكيانات السياسية الفلسطينية، تتحمل المسؤولية عما آلت أليه قضية شعب فلسطين، من التدهور أو التهميش أو الإزاحة، ما يتمثل راهناً بمسعى الإدارة الأميركية تفكيك هذه القضية وتجزئتها، إذ إن القيادة الفلسطينية رضيت بذلك، أو انخرطت فيه، وفق ما جرى في اتفاق أوسلو، الذي جزّأ شعب فلسطين وحقوقه وقضيته، وأجّل القضايا الأساسية (القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود)، كما بواقع تحولها إلى سلطة، قبل إنجاز مرحلة التحرر الوطني، وتهميش منظمة التحرير. كما يمكن تمثل ذلك بمحاولات تكريس الفصل السياسي، بعد الفصل الديموغرافي، بين الضفة وقطاع غزة، وتالياً، تكريس الانقسام الفلسطيني، بين «فتح» و»حماس»، وبين سلطة كل منهما في إقليمه. وفي هذا المجال، ربما يصحّ القول بأن الفلسطينيين باتوا اليوم على عتبة اتفاق جديد مع إسرائيل، لكن مع «حماس»، بعد أن توافرت مجموعة من العوامل الضاغطة على تلك الحركة، والتي من ضمنها، تشديد الحصار على غزة، التي يقطنها مليونا فلسطيني يعيشون ظروفاً صعبة وقاسية، منذ 2007، ويشكلون ضغطاً قوياً على سلطة حماس، مع تعمّد إسرائيل توجيه ضربات عسكرية مدمّرة للقطاع بين فترة وأخرى، ضمنها شنّها ثلاث حروب مدمرة على القطاع (2014 - 2012 - 2008)، ذهب ضحيتها أكثر من أربعة آلاف من الفلسطينيين مع عشرات الآلاف من الجرحى، إضافة إلى مساعي تجفيف موارد هذه الحركة المالية، بعد إغلاق الأنفاق وتشديد الحصار ووقف التدفقات المالية من كل الجهات وتعثر عمليات المصالحة الفلسطينية، سواء بسبب شروط «فتح» أو بسبب شروط «حماس». وثمة هنا استنتاجين، أولهما، أن «حماس» وصلت إلى طريق مسدود، وأنها أخفقت في كل الطموحات أو التوهمات التي حفّزتها على أخذ السلطة في غزة (2007)، على رغم رفضها اتفاق أوسلو، فهي لم تستطع تحويل القطاع إلى منطقة للمقاومة، ولا للتحرير ولا لدحر الاحتلال من الضفة. بل إنها لم تستطع، بطريقتها في إدارة القطاع، إقناع الفلسطينيين، لا سيما في غزة، بأنها قدمت نموذجاً بديلاً للسلطة أفضل من النموذج الذي قدمته فتح في الضفة الغربية. وثانيهما، أن ما يحصل يفيد بأن «حماس» وصلت، أو انتهت، بعد 31 عاما من الكفاح المسلّح (1987 - 2018)، إلى حيث وصلت أو انتهت غريمتها «فتح»، بعد 28 عاماً من الكفاح المسلحّ (1965 - 1993)، أي إلى مجرد دولة – سلطة، في غزة وفي الضفة، بحيث أضحى الفلسطينيون إزاء احتمال «دولتين» أو سلطتين تحت الاحتلال.

الآن، لعل المآلات، أو المسارات، المذكورة تحضّ على التفكير، أو التساؤل، المشروع، أولاً، عن نهج الكفاح المسلح، وعن جدواه، لا سيما مع تجربة باهظة الثمن، ومع نتائج كان يمكن تحصيلها بوسائل سياسية، أو بوسائل كفاح شعبية أقل كلفة، طالما الأمر يتعلق بحكم ذاتي لا أكثر. وثانياً، حول معنى، أو جدوى، دور الكيانات السياسية ، أي كل من المنظمة والسلطة والفصائل، فليس من المعقول سيادة الجمود والتكلس في البنى السياسية الفلسطينية، أو الإبقاء على كيانات لم تعد تجد أو لم تعد تفعل شيئاً، لا سيما أن الوضع بات يتطلب إيجاد كيانات سياسية أكثر تعبيراً عن الشعب الفلسطيني وأكثر تمثلاً لتجمعاته وحقوقه وأولوياته، وأكثر قدرة على حمل تطلعاته. ثالثاً، لا بد من إطلاق ورشة تفكير بخصوص الخيارات أو الرؤى السياسية التي يمكن أن تحيي الأمل في قلوب الفلسطينيين، وأن تجدد طاقتهم الكفاحية، وأن تعزّز إدراكاتهم لكونهم شعباً واحداً، بقضية واحدة، على رغم اختلاف أوضاعهم القانونية والاجتماعية والسياسية، رؤى سياسية تستعيد التطابق بين قضية فلسطين وأرض فلسطين وشعب فلسطين.

باختصار، ما زالت القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و»فتح»، هي صاحبة القرار، والمسؤول الأول، عن كل ما جرى وما سيجري، من موقعها في القيادة، والسلطة، واستحواذها على موارد الفلسطينيين، وبحكم غياب المجتمع المدني الفلسطيني وضعفه وتشتّته، لذا فعلى ما تفعله تلك القيادة، أو ما لا تفعله، يتوقف الكثير، إن سلباً أو إيجاباً.

* كاتب فلسطيني - سوري