«ظلال على العشب» لكارين بليكسن: نهاية ما بعد النهاية

ابراهيم العريس |

هناك كتب، روائية أو غير روائية، قد يحسّ القاريء ذات لحظة أنه يتمنى لو ينتهي من قراءته سريعا حتى وإن لم يكن من النوع الذي يقلب الصفحات كواجب كي لا يترك الكتاب، وفي المقابل هناك من الكتب ما يتمنى المرء لو كانت تطول أكثر بين يديه فلا ينتهي من قراءتها على مثل تلك السرعة. ويقينا أن ليس لهذا علاقة بقوة الكتاب أو تميّزه، بل بقدرته على جذب قاريء معيّن هو المعني بما نقول. وثمة كثر من القراء الذين لم يكتشفوا «رواية» الدانمركية كارين بلكسين «خارج أفريقيا»، إلا على ضوء اقتباسها سينمائيا في العام 1985 من قبل المخرج الأميركي سيدني بولاك، خامرهم ذلك الشعور بأن ثمة من بعدما تنتهي «الأحداث» أشياء كثيرة يمكن أن تقال بعد، وكان في إمكان الكاتبة أن تقولها لكنها آثرت أن توقف نصّها عند الحد الذي وصلت إليه. والحقيقة أن هؤلاء لم يكونوا فقط محقّين في شعورهم، بل كانوا - وغالبا دون أن يعرفوا ذلك - يتقاسمونه مع الكاتبة نفسها. فهذه الأخيرة وتحديدا في العام 1961 وكانت بلغت السادسة والسبعين من عمرها وقبل عام واحد من رحيلها في العام التالي، نشرت بالفعل نصّا بعنوان «ظلال على العشب» بات منذ ذلك الحين ينشر سوية مع «خارج أفريقيا». لماذا؟ بكل بساطة لأنه كان نصّا عادت فيه الكاتبة الى روايتها الكبرى تستعيد ما قد يكون قد حدث لشخصيات «خارج أفريقيا» الرئيسية بعد «النهاية» التي توقفت عندها في هذه الرواية الأخيرة. ولئن لاحظ القاريء هنا أننا وضعنا أول الأمر كلمة رواية بين هلالين، فإننا نوضح له هنا أن «خارج أفريقيا» ليست تماما رواية، لكنها ليست في الوقت نفسه مجرد سيرة حياة ذاتية للكاتبة حتى وإن كانت هي بطلتها والحكاية حكايتها والمزرعة التي تدور الحكاية فيها مزرعتها. فنحن هنا، في نهاية المطاف، أمام نص «روائي» مستقى وحتى في تفاصيل التفاصيل مما عاشته بليكسن وعايشته.


> ومن هنا، لم يكن غريبا أو مستهجنا، أو يخرج عن قواعد الكتابة، أن تعود الكاتبة الى نهاية نصّها الأول لتعطي صورة عما بعد النهاية... تماما مثل تلك الجدّات الحكواتيات اللواتي حين يحكين حكاية ما، يفاجأن بالمستمعين إليهن يطالبنهن بالمزيد، فلا يكون منهن إلا أن يشحذن الذاكرة والإلهام في آن معا، لكي يعثرن على «نهاية» جديدة تأتي بعد النهاية الأصلية - ولنتذكر هنا ما نجده في بعض الأفلام، حيث ما إن تبرز على الشاشة كلمة «النهاية»، حتى تطالعك صور ومشاهد أو عبارات تقول لك ما الذي حدث للشخصيات بعد تلك النهاية. ونعرف عادة أن هذا يحدث في الأفلام التي تنبني على حكايات حقيقية. و»خارج أفريقيا» هي في نهاية الأمر حكاية حقيقية. ومن هنا فإن «ظلال على العشب» إستكمال لتلك الحكاية قد يحسّه القاريء نوعا من التلطيف لدرامية النهاية عاطفيا، ولكن أيضا نوعا من الإجابة على أسئلة كثيرة يكونون قد طرحوها على أنفسهم فيما هم يطوون الكتاب بعدما يفرغون من قراءته. ويمكننا أن نفترض هنا أن معظم الصفحات - القليلة على أية حالة - التي يتألف منها «ظلال على العشب»، يبدو وكأنها إستعراض لما آلت إليه أحوال ومصائر عدد من الشخصيات الرئيسة، أو حتى الثانوية التي كانت قد طالعتنا في «خارج أفريقيا» قبل أن تختفي، وغالبا دون أي مبرر منطقي. بدا فقط وكأن النصّ لم يعد في حاجة اليها ومنها على سبيل المثال، دينيس فنش هاتون، ذلك «الملك الفيلسوف» في تعبير بليكسن، واسع المعارف وصديق الطبيعة الى درجة كانت تؤهله لتأسيس حزب «أخضر»، وفرح آدن الصومالية التي اعتقدتها بليكسن حين التقتها، هندية، والفتى كامانتا غاتورا، والمرح بيركلي كول، وجار بليكسن في المزرعة كينانجوي...

> كل هذه الشخصيات التي لم تكن بليكسن مقصّرة على أي حال في حقها وصفا وثناء في «خارج أفريقيا» إذ تمضي صفحات كثيرة في الرواية تتأمل حياتها وتصرفاتها الايومية الطيبة، ستشعر كما يبدو بشوق يدفعها الى العودة اليها في «ظلال على العشب» في نوع من الحنين الغامض. ومن هنا، منذ صدور هذا الكتاب الصغير قبل رحيل الكاتبة بعام، بات جزءا من الكتاب الأساسي نفسه.

> مهما يكن، ما من كاتب غربي عرف، بقدر ما عرفت كارين بليكسن، كيف يصوّر تلك العلاقة الغريبة التي قامت على الدوام بين الانسان الابيض المستوطن افريقيا، وبين اهل افريقيا السود. من هنا ربما يصح اعتبار تلك «البارونة الدانمركية السوداء» - كما كانت تلقب - الوالدة الشرعية لأدب النوايا الطيبة الذي كتبه مؤلفون بيض عاشوا الواقع الافريقي واحسّوه، واحبوا الشعوب الافريقية في الوقت الذي ظلوا يشعرون فيه انهم غريبون عنها في نهاية الامر، نقول هذا وفي ذهننا كتّاب من طراز اندريه برينك، نادين غورديمير، ودوريس ليسنغ. ولكن لئن كان هؤلاء الكتاب الثلاثة، في ميزان النقد والقيمة الادبية، اهم من كارين بليكسن بما لا يقاس، فإن هذه الاخيرة اتّخذت كل اهميتها من خلال عفوية علاقتها بالواقع الافريقي، ومن خلال قدرتها وهي الواصفة في معظم نصوصها لانهيار الارستقراطية في العالم، على تصوير تعاطفها الشديد مع الأفارقة الذين احبتهم.

> والأهم من هذا كله ان التعاطف الابيض مع السود لم يكن على «الموضة» يوم كتبت كارين بليكسن كتابها الاساسي «خارج افريقيا» الذي حُوّل قبل عقود الى فيلم أعاد هذه الكاتبة الخصبة والغريبة الى الواجهة. ولكن اذا كان هذا الكتاب يعتبر الأشهر والأكثر طرافة بين مؤلفات كارين بليكسن، فانه كان واحدا من نصوص قليلة كتبها عن القارة السوداء. اما كتبها الاخرى فقد تركزت اساساً على البعد القوطي وعلى القصص الغرائبية التي استوحت بعضها من الف ليلة وليلة مباشرة. واللافت في هذا الصدد ان كارين بليكسن كانت توقّع نصوصها باسم مستعار هو اسحق دنسن، وان هويتها الحقيقية لم تكشف بشكل كامل الا عند رحيلها في العام 1962 حيث كان جل شهرتها يصب في ذلك الحين على كونها صديقة للممثلة الراحلة مارلين مونرو.

> «منذ اللحظة التي عرفت فيها السود، لم يعد يخامر ذهني سوى فكرة واحدة وهي: كيف سيقيّض لي ان اوائم مع ايقاع حياتهم، ايقاع الرتابة اليومية التي تعتبر عندنا زمن الحياة الميت». والحال ان كارين بليكسن، ومنذ اقامتها في افريقيا تبدلت كليا، حتى وان ظلت تعامل الناس بمنطق الارستقراطية الاقطاعية. صار همّها منذ ذلك الحين ان تعثر على ايقاع جديد لحياتها، وهي قالت عند نهاية هذه الحياة انها لئن كانت نادمة في آخر زمانها على شيء، فإنها نادمة لانها لم تخلق افريقية، وان الانضمام من الخارج الى الايقاع الافريقي فيه الكثير من التصنّع، وانها امضت حياتها كلها تحمل على وجهها قناعا افريقيا زائفا. فلم تعد غربية ولم تصبح افريقية حقيقية.

> ولدت كارين بليكسن العام 1885 في الدانمرك، ودرست الأدب والفن في كلية الفنون الجميلة بكوبنهاغن ثم تزوجت ابن عمها البارون بليكسن - فينيك، الذي ارتحلت معه الى كينيا في افريقيا منذ 1914 حيث ابتاعا مزرعة للبن وعاشا حياة لهو وصيْد ومغامرات. في 1921 طلّقت كارين زوجها وبقيت في افريقيا عشرة اعوام اخرى كانت من اخصب سنوات حياتها، وهي تلك السنوات التي تصفها بقوة وشغف في «خارج افريقيا». وبعد سقوط اسعار البن وإفلاس المزرعة، عادت كارين الى الدانمرك حيث انصرفت الى الكتابة فنشرت العديد من القصص القصيرة والعديد من الروايات، بالدانمركية كما بالانكليزية سواء بسواء، وراحت شهرتها تطبق الآفاق، في نفس الوقت الذي احاط فيه باسمها نوع من الغموض كبير.

> مهما يكن فان الكتابة لم تكن النشاط الوحيد الذي مارسته كارين بليكسن، بل ساهمت في العديد من النشاطات الاجتماعية والخيرية لصالح الشعوب الافريقية، وكانت سيدة مجتمع من طراز رفيع، كما كانت تمضي حياتها متنقلة بين شتى البلدان الاوروبية وان كانت قد استنكفت عن زيارة أفريقيا بعد ذلك معلنة ان افريقيا الرومانطيقية الانسانية التي احبتها وشغفت بها لم تعد ذات وجود. ومن بين كتب كارين بليكسن التي تضم نصوصاً تشغف بالشرق وبالغرابة وتنم عن هوسها المطلق بألف ليلة وليلة: «سبع قصص قوطية» (1937)، «حكايات الشتاء» (1942) و «ظلال على العشب» (1960)، اضافة الى كتابها الاساسي عن أفريقيا.