سورية: تهدئة في مهب العاصفة

أحد شوارع مدينة إدلب (أ ف ب)
عادل يازجي |

في غمرة «الانحدار الإيراني» إلى الاعتراف بالتهدئة استقراراً نسبياً، لتبرير ابتعادها من الحدود مع إسرائيل، تخرج واشنطن عن لامبالاتها، وتضع شروطاً لاحترام هذا الاستقرار، تتعلق بتفاصيل التسوية السياسية، وإعمار سورية، وعودة اللاجئين، وإنشاء منطقة آمنة لحلفها الدولي الذي يطارد أشباح «داعش» في سورية والعراق، ومن ثم ضبضبة الانفلات الإيراني إلى داخل حدوده الدولية بالحُسنى، أو باللاحُسنى؟

ملفّات الإعمار واللاجئين وإعادة تأهيل النظام يتأبطها بوتين بيمناه، وفي يسراه ساعة الصفر للحسم في إدلب، حاور بهما أوروبا من طريق ألمانيا ولم ينجح، وعدم النجاح ليس فشلاً طالما الحوارات بل المساومات مستمرة، وجميع الأطراف المحاوِرَة والمراقِبَة عيونها على واشنطن ترصد أبعادَ موقفها المستجد والمستفز، كونه رسالة استباقية إلى الحوارات التي لا ترتاح لها واشنطن؟

واشنطن لا تزال تحترم التهدئة وما أنجزته روسياً حتى الآن، وشروطها تحذّر من مسّ التهدئة في إدلب، التي تفصلها عن الانفجار شعرةُ معاوية؟ إيران أخذت بالتهدئة وابتعدت من حدود إسرائيل عسكرياً وميليشيوياً، لكن مشكلة إدلب يصعب حلُّها سياسياً أو عسكرياً، لتنضمّ إلى التهدئة أو تقضي عليها، لذلك يتصاعد الصراع الديبلوماسي، مدججاً بتأثير القوة المتأهبة، ليس فقط لاستنزاف إيران وتقليم أظافرها الإرهابية والأيديولوجية، ولا لاستنزاف قدرة النظام على التهرُّب من الحل السياسي، فكلا الأمرين مقدور عليهما أميركياً وروسياً بلغة القرار عندما يحين أوانه، بل هو حراك في أفق من المساومات وحربِ المصادرات، يضع التهدئة في وجه عاصفة إدلب سياسياً، ويؤجّل هبوبَها ميدانياً تفاهمٌ روسي- تركي، ترصده واشنطن بعيون محمرّة، وضعت حدّاً للتفاؤل بِهُدَنِ الداخل والجنوب السوري التي قُرِئت قراراً اميركياً- روسياً وإسرائيلياً يحترم انتصار النظام بخلفياته الروسية وليس الإيرانية؟ موقف واشنطن المستجد يفرمل الحسم في إدلب عسكرياً وسياسياً، لدمجه بالجانب المهمّش والمؤجل في حراك موسكو وهو الانتقال السياسي، والتسريبات تعتبره ضغطاً لا يقوّض احترام واشنطن لبقاء النظام، قد يستثمره المبعوث الدولي في جولة حوار أممية، بدأ يعمل على لملمة أوراقها المتناثرة، وعينه على ثعلبية لافروف المُعَرقِلَة؟ الاستقرار أساساً تعتريه شوائب أميركية وتركية، ليس منها إنشاء منطقة حظر جوي وبري للتحالف الدولي في الشمال الشرقي من سورية، فهذه تدعّمه، بل تتركز الشوائب في كيفية حسم (إمارة) إدلب، التي منها يبدأ الاستقرار الدائم، أو يُقضى على الاستقرار النسبي، وتأجيل الانفجار يفسح المجال للضغط التركي على إخونجية إدلب المتطرفة كي تُعدّل نفسها لتبرير الحماية التركية لها، وتقديمها معتدلةً للحماية الدولية، إذا قبلت موسكو بالاعتدال الملتبس، احتراماً لتحالفها مع أنقرة، ولم يتمرد عليه النظام تلافياً لتصعيد الضغط كيماوياً، وما قد يستجرُّه ميدانياً؟ التهدئة هدف روسي، ورغبة شعبية سورية، لكنها تقلق النظام الذي حققها بقوته الروسية الإيرانية، وقلقه يُترجم بعرقلة اللجنة الدستورية وفصلها عن التهدئة لإبعاد القرار الدولي /2254/ من التداول، وإبقائه في المنفى الأممي، ولو استُخدم للابتزاز؟ والتهدئة ليست تكرُّماً روسياً أو إيرانياً أو تركياً أو إسرائيلياً، ولا من البيت الأبيض الذي ينام ملء جفونه عن شواردها غير الاقتصادية، وما كان لها أن تنجح لو لم تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف من أشقّاء وحلفاء وجيران وأعداء، وتتيح لهم دَرْء المخاطر التي تهدد استقرارهم نتيجة لتقوقع واشنطن حول مصالحها الاقتصادية؟

إن قراءة الموقف من التهدئة، ومن استمرار هيمنة موسكو، ومن إعادة تأهيل النظام بلا رتوش ولو دستورية، هي قراءة براغماتية (ذرائعية) تعتبر النجاح في أيّ عمل هو المعيار الوحيد للحقيقة، مهما بلغت تكاليفه، وبِغَضِّ النظر عن مردوده على أصحابه وعلى الآخرين!

النظام نجح في الحفاظ على حياته بالقوة، سواء امتلك هذه القوة، أو استأجرها، أو استجرّها بذكاء شيطاني، أو بمغريات اقتصادية، أو أيديولوجية، أم هي استجرّته إليها في لحظة ميدانية فارقة لم يكن له فيها أيّ خيار آخر، المهم انه انتصر ميدانياً، أمّا احترام استمراره أميركياً وأوروبياً فهو محور الحلّ السياسي، وأزمة الإعمار، وعودة اللاجئين، إذا أهّل قوامه أممياً، ولم تضعضعه إمارة إدلب، حينئذٍ لا يشكّل رفضُه من الخارج السوري المعارض والمهاجر عقبة أمام الحل السياسي لأن موقف المعارضين تضيق دائرة القبول به دولياً حتى من سدنته الأساسيين، ويبدو أن جميع الأطراف جنحوا إلى السلم، واعتمدوا النجاح الميداني معياراً للتعامل مع النظام، ليس إعجاباً بأناقته، ولا خوفاً من عضلاته الإيرانية الروسية، بل لعدم اقتناعهم بالبدائل التي نجح النظام وحلفاؤه بتصنيفها امتداداً للمعارضات العربية المحلية والإقليمية المجاورة المتطرفة، فكان الأقل ضرراً بالنسبة اليهم هو تعديل المواقف لمصلحة (المنتصر)، بغض النظر عن تقويمها أمام العدالة الدولية الافتراضية!

يستطيع النظام تجاهل الضغط الدولي عليه، ما لم تدخل فيه تهمة الكيماوي، تجاهُلُ النظام للضغوط الدولية، قابله سابقاً عدمُ اكتراثٍ أميركي، وتغيّرَ لاحقاً إلى النقيض بتكليف جيمس جيفري الإشراف على محادثات (انتقال سياسي؟) في سورية، هذا التكليف يخدش تفاهمات قمة هلسينكي، ويعرقل مساعي موسكو لوضع لجنة الدستور تحت معطفها؟ وقد يُترجَمُ بتصعيد ضغط التحالف الدولي ميدانياً في الشمال الشرقي حتى الحدود السورية العراقية، لرصد أجواء البلدين معاً ووضع حدٍّ لحرية التحرك الإيراني فيهما تحت شعار القضاء على «داعش»، ولا يستبعد آنذاك انفجار الوضع في إدلب، سواء سقط الكيماوي من طائرة أو من جعبة «هيئة تحرير الشام»، فالتهمة جاهزة مع النظام وضدّه، ما لم تستطع موسكو وأنقرة ضمّ ادلب إلى التهدئة، وتقليص وجود إيران خارج حدودها في المساومات مع واشنطن! المجتمع الدولي يدفع باتجاه اللجنة الدستورية، والنظام يتأهّب لمعركتها، إذا نجح تفاهم دولي حول خطوط التماسّ في ريف إدلب، يُلغي أو يؤجل الانفجار!

* كاتب سوري