قانون القومية الإسرائيلي وصفقة القرن الأميركية

مدينة القدس (ويكيبيديا)
حسين معلوم |

أن يتم إقرار ما يُسمى «قانون القومية» في الكنيست الإسرائيلي، منذ أيام (الخميس: 19 يوليو)، بعد قراءته الثالثة والأخيرة، بأغلبية 62 نائباً مقابل اعتراض 55 آخرين، وامتناع اثنين عن التصويت؛ فهذا يطرح التساؤل حول هذا القانون، وما يحمله من جديد في المسيرة التاريخية لدولة الاحتلال، وما سوف ينتج عنه من تأثيرات على المستقبل الفلسطيني؛ ليس في الداخل الإسرائيلي فقط، ولكن في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً، على الأقل من منظور التصريح الذي أدلى به نتانياهو أمام الكنيست، بعد عملية التصويت، والذي قال فيه: «هذه لحظة فارقة في تاريخ الصهيونية وتاريخ دولة إسرائيل».


ثم، أن يأتي إقرار القانون، الذي يجعل من إسرائيل «الدولة القومية للشعب اليهودي»، بعد محطات تاريخية مهمة في تاريخ الصراع بين العرب وإسرائيل، بدءاً من نشر ثيودور هيرتزل رؤيته حول «دولة اليهود»، في كتاب أصدره عام 1896، ووصولاً إلى الاعتراف الأميركي «الترامبي» بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها؛ فهذا يطرح التساؤل حول مشروع «حل الدولتين»، الذي كانت تدعو إليه كثير من دول العالم، بما فيها الدول العربية، والذي كان يُمثل ـ في نظر البعض ـ نقطة ضوء في آخر النفق لحل القضية الفلسطينية. وأخيراً، أن يأتي إقرار القانون، الذي يجعل من القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، واللغة العبرية لغتها الرسمية الوحيدة، وأن حق تقرير المصير في الدولة اليهودية يقتصر على الشعب اليهودي وحده؛ فهذا يطرح التساؤل حول الوجود الفلسطيني في الداخل الإسرائيلي، فلسطينيي 48، والذين يصل عددهم إلى ما يُقارب 1.8 مليون شخص، أي حوالي 20 بالمئة من عدد السكان البالغ تسعة ملايين نسمة؛ ليس هذا فقط، بل أيضاً يطرح التساؤل حول مسألة الاستيطان، تلك التي تُخالف القوانين الدولية، وتلقى رفضاً من عدد ليس بالقليل من دول العالم، خصوصاً أن القانون الذي أقره الكنيست يعتبر الاستيطان «من القيم الوطنية، وستعمل إسرائيل على تشجيعه ودعم تأسيسه».

وفي ما يبدو، هكذا، فإن مثل تلك التساؤلات، وغيرها، تلتقي جميعاً عند نقطة رئيسة، تتمحور حول الواقع الجديد الذي يؤسس له هذا القانون. صحيح أن ما تُمارسه إسرائيل، على مدى سبعين عاماً خلت، يمتلئ بمظاهر التمييز ضد الفلسطينيين والعرب في الداخل؛ وصحيح، أيضاً، أن فكرة الفصل العنصري كانت دائماً هي الفكرة الناظمة للمشروع الصهيوني منذ بداياته، حتى ليمكن القول بأن نكبة 1948 وطرد الفلسطينيين لم تكن سوى انعكاس لهذه الفكرة «العنصرية»، والرغبة في الإبقاء على ما يُطلق عليه الفكر الصهيوني «نقاء» الدولة اليهودية. لكن رغم هذا وذاك، يبقى من الصحيح، كذلك، أن إقرار القانون لم يكن - كما يراه البعض - من قبيل تحصيل الحاصل لعنصرية تمارسها الدولة العبرية؛ بل، هو -في حقيقته -يؤسس لواقع تاريخي جديد، سوف يؤثر على مستقبل القضية الفلسطينية، بل والمنطقة العربية وتفاعل ملفاتها المعقدة والمتشابكة.

يكفي أن نُلاحظ أن مجرد تمرير وإقرار مشروع «قانون أساس» هو، في حد ذاته، يفرض واقعاً جديداً؛ إذ إنه يعني أن الأدوات القديمة والممارسات السابقة للفصل، لم تعد كافية -مادياً ومعنوياً - بحيث صار من الضروري تحويل الممارسة إلى قانون دستوري لتثبيت مبدأ الفصل. وفي ما يبدو، فإنه بعد خمسين عاماً من الاحتلال، وسبعين عاماً من إعلان الدولة العبرية، تولدت الحاجة إلى تشريع فكرة الفصل، وتحويلها إلى مسألة مؤسسية داخل النظام الدستوري نفسه، كمبدأ عام وناظم للسياسات الإسرائيلية القادمة.

مثل هذا التحول، دفعت إليه، وفرضته، الضغوط الناتجة عن وجود مجموعتين لهما تأثيرهما الواضح داخل المجتمع الإسرائيلي؛ هما: الفلسطينيون مواطنو إسرائيل من جانب، والمستوطنون اليهود من الجانب الآخر.

على هذا الجانب الأخير، يتبدى بوضوح مدى الحضور والثقل الذي أصبح عليه المستوطنون في الضفة الغربية، أولئك الذين لم يعد وجودهم موقتاً أو لمجرد التبرير الأمني. إذ، رغم الفصل التام والواضح، في جميع مرافق الحياة، بين هؤلاء المستوطنين وبين السكان الفلسطينيين الأصليين، إلا أن الثقل الاستيطاني المتزايد باستمرار، عبر التواجد في مفاصل الدولة ومؤسساتها المختلفة السياسية والقضائية، ساهم في حضور المستوطنين، جغرافياً وسياسياً، داخل الدولة العبرية. جغرافياً، باعتبارهم جزءًا من الضفة الغربية؛ وسياسياً، باعتبارهم جزءاً من البنيان السياسي والقضائي للدولة. ومن ثم، ورغم ذهاب المستوطنين إلى الضفة؛ إلا أنهم، في الوقت نفسه، ساهموا في إحضار الضفة إلى الداخل الإسرائيلي. ولعل هذا ما يوضح مدى الخطورة في قانون القومية الإسرائيلي، فهو يؤسس ليس لفصل المستوطنين اليهود عن السكان الفلسطينيين الأصليين، بل يفتح الباب - مستقبلاً - لضم الضفة الغربية إلى «حدود إسرائيل»، في طريق يتضمن السعي إلى إخراج الفلسطينيين منها.

أما على جانب فلسطينيي 1948 في الداخل الإسرائيلي، فيتبدى بوضوح مدى حضورهم وثقلهم في قلب إسرائيل. إذ، رغم أنهم على مدى عقود طويلة كانوا يعيشون على هامش الدولة العبرية، إلا أنهم مع الوقت بدأوا يأخذون مواقعهم في السياسة والاقتصاد والقانون في الداخل الإسرائيلي، بل وأصبح حضورهم وثقلهم أكثر بروزاً. ومن ثم، فإن عودة مقولة الدولة اليهودية، وإقرارها، هو محاولة لمواجهة الحضور الفلسطيني الداخلي الآخذ في التزايد جغرافياً وسياسياً. ولعل هذا ما يوضح مدى الخطورة في قانون القومية الإسرائيلي، فهو يؤسس ليس لتحويل فلسطينيي إسرائيل إلى مواطنين من الدرجة الثانية، بل فتح الباب - مستقبلاً - لبرنامج تهجير آخر لفلسطينيي 1948، عبر التهميش الممنهج لدورهم السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل.

في هذا السياق، لا تكمن تداعيات مثل هكذا قانون في أنه أعلن وفاة «حل الدولتين»، أو أنه سوف يزيد من الاستيطان، أو تأسيس «القدس الموحدة» عاصمة للدولة العبرية. ولكن الأخطر من ذلك كله، أن هذا القانون يربط بين فصلين، فصل الفلسطينيين في داخل إسرائيل، وفصل الفلسطينيين خارجها. وهو ما يعني أن إسرائيل تقوم، في هذه المرحلة، بالتوحيد بين مفهومين: أرض إسرائيل ودولة إسرائيل؛ الأمر الذي يوضح الاندفاع إلى تشريع ومأسسة نظام الفصل العنصري.

وبكلمة، فإن مضمون قانون القومية الإسرائيلي يتلخص في الإقرار بأن «دولة إسرائيل» هي تعبير عن حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره في «أرض إسرائيل»؛ وأن هذه الأخيرة هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي في إطار دولته «إسرائيل»، من دون الإشارة ـ بالطبع ـ إلى حدود هذه الدولة.

إن هذا الربط، وتأسيسه على قانون أساس، دستوري، لا يُبقي مكاناً لشعب آخر، كي يُقرر مصيره على أرضه التاريخية. ولأن ذلك كذلك، فإن القادم من الأيام سوف يحمل لهذا الشعب الاختيار بين الخروج ليس من الداخل الإسرائيلي، ولكن ـ وهذا هو الأهم ـ من أرض فلسطين، إلى الخارج.. سواء كان هذا الخارج هو الأردن أو مصر، وهي الفكرة التي تقوم على أساسها «صفقة القرن» الأميركية.

* كاتب مصري