عندما حاول كوفي أنان عام 1991 إخراج العراق من طائلة الحصار

كوفي أنان (ويكيبيديا)
عدنان الجنابي |

توفي الأمين العام السابق للأمم المتحدة، السيد كوفي أنان السبت 18/8/2018.


في تشرين الثاني (نوفمبر) 1991، طلب أنان من العراق إرسال وفد عالي المستوى ومخوّل إلى فيينا لبحث تطبيقات قراري مجلس الأمن 661 و667 المختصين بالحصار المطبق على العراق، والتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق وتدميرها. كان كوفي أنان في حينه يشغل منصب مساعد الأمين العام المكلف الإشراف على تنفيذ القرارين.

القرار 661 الصادر في 6/8/1990 فرض على جميع الدول، حتى تلك التي لم تكن أعضاء في الأمم المتحدة، حظر التعامل مع العراق بأي شكل من الأشكال. وأسس القرار 667 الصادر في 3/5/1991 هيئة «أونسكوم» المختصة بالقيام بالتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق ونزعها.

وذهب الوفد العراقي برئاسة الدكتور عبد الأمير الأنباري إلى فيينا في تشرين الثاني 1991، وكان معه ممن أتذكرهم السيد محمد رضا الشديدي عن قطاع النفط، والدكتور فائق عبد الرسول من مستشاري مجلس الوزراء، والدكتور عبد المنعم رشيد عن البنك المركزي. كنت حينها مقيماً في فيينا أدير مكتب المركز العالمي للطاقة (CGES) الذي أسسه أحمد زكي يماني ويديره الدكتور فاضل الجلبي.

اتصل بي الدكتور الأنباري حال وصوله إلى فيينا، وأخبرني بأنه سيذهب لملاقاة كوفي أنان بصفة شخصية وبمفرده، بحسب طلب أنان لبحث كيفية إخراج العراق من عقوبات الحصار المطلق والذي بدأ يهدد حياة العراقيين. وكان بين الأنباري وبين أنان صداقة توطدت عندما كان الأنباري الممثل الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة.

سألني الدكتور الأنباري رأيي، فقلت له إن مهمته خطرة وعليه أن يتحمل عواقبها، خصوصاً أنه سيكون وحده ولا شاهد معه يبرئه إذا دارت الشكوك على موقفه مع كوفي أنان، وكان صدام يعدم أعوانه لأبسط بوادر الشكوك بالولاء.

لم يعد الأنباري من لقائه مع كوفي أنان إلا بعد منتصف الليل، وذهبت للقائه في تلك الساعة المتأخرة في حانة قريبة من فندق هيلتون حيث كان يقيم مع بقية أعضاء الوفد.

أخبرني أن الأنباري عرض عليه الموافقة على اثنتي عشرة نقطة، منها الإفصاح عن تفاصيل البرنامج النووي والكيماوي، وفسح المجال المطلق للدخول إلى مواقع معينة، من ضمنها القصور الرئاسية، والاطلاع على الوثائق التي يطلبها فريق التفتيش، وإذا وافق العراق على ذلك فإن كوفي أنان سيسعى إلى إخراج العراق من طائلة البند السابع والعقوبات في شباط (فبراير) 1992، أي خلال ثلاثة أشهر.

كان رأي الدكتور الأنباري أن هذه المطالب غير صعبة التحقيق، وإذا رفضها العراق سيطول الحصار لسنين لا يعلم أحد مداها. وكان كوفي أنان حدد الأشهر الثلاثة لأنه كان سيغادر موقعه إلى مهمات أخرى في آذار (مارس) من العام التالي، ولن يكون بإمكانه مساعدة العراق بعد ذلك التاريخ.

سألني الأنباري: ما العمل؟ فقلت له إنه لحماية نفسه يجب أن يعرض الموضوع على بقية أعضاء الوفد، وليس من الصحيح إرسال طلبات كوفي أنان إلى العراق بمبادرة شخصية منه، وهكذا كان. وفي صباح اليوم التالي أقر أعضاء الوفد بالإجماع الطلب من الحكومة العراقية (طارق عزيز وصدام حسين) الموافقة على طلبات كوفي أنان والخروج من عقوبات مجلس الأمن.

جاء الجواب من طارق عزيز أن السيد الرئيس يقول خذوا من كوفي أنان طلباً موثقاً بشروطه وعودوا إلى العراق لندرس الجواب عليها.

بطبيعة الحال لم يستطع كوفي أنان تقديم وثيقة من طرف واحد لا يعلم إن كان الجواب عليها سيكون إيجاباً أم سلباً، فضلاً عن أنه كان تجاوز صلاحياته في ما عرضه على الدكتور الأنباري، وسيكون إعلان عرضه تقويضاً لصدقيته أمام بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، خصوصاً أميركا وبريطانيا. عاد الدكتور الأنباري إلى العراق، وطلب الإجابة على تقرير الوفد، ولم يحصل على جواب لا من طارق عزيز ولا من صدام حسين!

استمر الحصار على العراق، واستمرت عذابات الشعب العراقي بسبب عناد صدام حسين ومشاكساته المجتمع الدولي، ولم يجد مفتشو الأمم المتحدة بعد احتلال العراق عام 2003 أياً من أسلحة الدمار الشامل.

رحم الله كوفي أنان.

* رئيس مركز البحوث والدراسات العراقية - مبدع