«النفي إلى الوطن»... بين التأريخ والوظيفة الجمالية

(ويكيبيديا)
محمد سمير عبد السلام |

تطرح رواية «النفي إلى الوطن» (الهيئة المصرية العامة للكتاب) للمصري محمد جبريل، الرواية إشكالية التداخل بين جماليات النص السردي، والتأريخ، والنزعة الوثائقية في السرد القصصي، ويستعيد النص مسيرة السيد عمر مكرم الوطنية، والإنسانية بين الحملة الفرنسية، وعصر محمد علي، وخياراته المبنية على المقاومة، والميل للاستقلال الحضاري، والشورى، واختياره أحياناً المنفى، وهجرته إلى الشام، أو نفيه إلى دمياط.


وتقوم الرواية –في نزوعها الوثائقي/ الجمالي– على تعددية الأصوات، أو التبئير الداخلي المتعدد وفق تعبير جيرار جينيت، فالأصوات يكمل بعضها الآخر، وتتشابك، وتتداخل فيها الرؤى التي تعزز من تعددية الخطاب، ومن تعددية فعل التأويل التاريخي للحدث، إذ تتشابك أصوات رواد المقاومة، وأصوات بعض المتصوفين، وبسطاء المقاومة الشعبية، ثم نجد صوتاً لكليبر، أو لمينو مثلاً، ومن ثم يؤكد النص تشابك الرؤى، وتعددية الخطاب التي أكدها كل من تودوروف وباختين في الرواية، أو تنازع التفاسير كما هو في فكر بول ريكور.

ويشير النص إلى نمو الوعي الجمعي بالآخر/ الحضاري، ومدى التواصل، والانقطاع، أو الصمت في في علاقة الأنا بالآخر، فالتراث المحلي الخاص بالاحتفاليات، والموالد ينتقل من موقع الهامشي إلى الفاعلية المعلّقة، أو المؤجّلة في اللحظة الحضارية للسرد، وطبقاً لنموذج رايموند ويليامز، يظل الهامشي في حالة من الفاعلية برغم غيابه عن موقع الهيمنة، ومن ثم نجد احتفاء بونابرت الشكلي بالموالد ممزوجاً بحالة الصمت، أو الانقطاع الجزئي، وإن ظلّت فاعلية التراث محققة في المشهد الحضاري، وتداخلاته المحتملة في النص.

وتشير عتبة العنوان إلى مسيرة السيد عمر مكرم وخياراته التي أعادت إنتاج مدلول المنفى بوصفه خياراً ذاتياً وإنسانياً يعلو على الأنساق الخطابية المهيمنة في لحظة الحكي الحضارية، فمدلول المكان –لديه- يرتبط بالخصوصية الثقافية، والاستقلال، والخيارات الذاتية الداخلية في آن. ويرصد النص التحولات التاريخية الصاخبة، وأثرها في تشكيل الوعي الجمعي لأصوات البسطاء، والرواد، والمؤرخين، والممثلين للآخر في آن، وكأنه يستعيد بكارة الحدوث التاريخي في جمالياتها المتعلقة بفعل الحكي التأويلي التعددي من جهة، وتشابك أشكال الخطاب عبر نسبية مواقعها، والقوى الثقافية المنتجة لها من جهة أخرى.

وتقوم الرواية على تعددية مواقع الرواة، وتنوع خطاباتهم التفسيرية للحدث، فضلاً عن تشابك الأصوات، وتداخلها، ونزوع كل منها إلى إكمال رؤى الآخر من موقع مغاير، ومن ثم يؤكد النص تنوع الرؤى، والوعي الجمعي للرواة، ومواقفهم من الوجود، ومدى تأثر كل منهم النسبي بالتعقيد في بنية اللحظة الحضارية للحكي.

يؤكد خطاب السيد عمر مكرم اختياره الهجرة إلى الشام مع المحروقي، وأغا، وآخرين، والتعارض البنائي بين المشاركة، والصمت، والتعزيز من موقف الاستقلال، والمقاومة، فالمشاركة بطبيعتها تؤكد التبعية للمهيمن، لا المشاركة في تأكيد الذات الحضارية، أو النهضة، ومن ثم فهو يعلق التبعية لخطاب الآخر باتجاه تواصل حضاري يقوم على تجاوز مركزية الآخر. وسنعاين الازدواجية بين التمازج الحضاري المحتمل، واستمرار التعارض البنائي القائم على التبعية للخطاب الحضاري للمهيمن في وعي أحد الأصوات، وخطابه الذي يصف فيه حالة المولد، ومدى اهتمام بونابرت بها.

وقد يتداخل خطاب الشخصية التأريخي –في النص– بالبنى الحكائية التأويلية للحدث التاريخي، فضلاً عن تمثيل ذلك الخطاب للذاكرة الجمعية، وللبنى الثقافية التي تشكل منظور الشخصية التفسيري للعالم، ولتعقيد لحظة الحكي الحضارية في آن. يقوم خطاب الجبرتي –في حديثه عن معركة بولاق– على وصف الحدث انطلاقاً من تدافع القوى المهيمنة، ووفرة القتلى، والمنظور الأخلاقي الإنساني في بنية الحكي التفسيري للتاريخ، إذ يقول: «إنهم ملكوا بولاق، وفعلوا بأهلها ما تشيب من هوله النواصي، وجثث القتلى صارت مطروحة في الطرقات، واحترقت الأبنية، والدور، والقصور، وهرب كثير من الناس حين أيقنوا بالغلبة، فنجوا بأنفسهم إلى الجهة القبلية». يبدأ الخطاب بوصف الهيمنة من موقع الراصد الذي يعزز المقاومة، والاستقلال الذاتي، والقيم الإنسانية، ومن ثم يؤكد وحشية المشهد، وبنى الزيادة، أو الوفرة في القتلى، وتراكمهم، فضلاً عن بنية الزيادة المتعلقة بالنار، والتهام المباني، والقصور، وإن ظل فعل المقاومة، والتحقق الذاتي كامناً في الهروب، وفي منظور الرائي نفسه الذي يؤكد غرابة المشهد عن القيمة الإنسانية، ومفهوم التواصل الحضاري. أما خطاب السيد عمر مكرم، فقد ارتكز على مدلول الخواء، أو الفراغ الذي استبدل بهجة الأصوات، وفاعلية الثقافة المحلية، وحوارها الممكن مع العالمي، أو الآخر المحتمل، فالفراغ –في خطابه– يومئ ببلاغة الحضور المحتمل في ما وراء الصمت، فيقول إن الأسى قد غلبه حين سيطر الدمار على القاهرة، وصارت الشوارع خالية إلا من القطط، والكلاب. يؤول السيد عمر مكرم المشهد انطلاقاً من بنية الفراغ، والحضور الحضاري البهيج الأسبق، ولهذا تتوالى الوظائف السردية المؤكدة للصمت، والفراغ، فالفوضى تسود، وتخلو الشوارع من البشر. أما خطاب كليبر فينطوي على كشف تناقضات مراد بك إزاء الصدر الأعظم، وإزاء قوى الحملة الفرنسية، إذ يقدم الولاء للجهتين، ويوحي ذلك الخطاب بالعودة إلى المنظور الأخلاقي الإنساني، رغم غيابه عن مشهد نموذج التواصل الحضاري القائم على المسيطر، والهامشي، والتبعية للمركز، إنه خطاب يثير نوعاً من الأرق الذاتي الداخلي، أو تأجيل بنية المركزية الحضارية نفسها. أما خطاب مينو فيقوم على نزوع التفوق مع إثارة الأرق، والأسئلة في الذات الحضارية التي بدأت تواصل التشكل بعيداً من نموذج الهيمنة، إذ يسترجع الذكريات المؤلمة في الصحراء، بينما يصر على انتساب المجد لجنود الحملة، وإثارة الأرق في الآخر، وربما يكون الأرق الذي أشار إليه خطاب مينو نوعاً من التكرار للأسئلة الحضارية التي تفكك نموذج المركزية نفسه، والذي كان قد أشار إليه في خطابه المتعالي.

ويرى بول ريكور بصدد فعل الحكي التأويلي/ التأريخي، أن التأريخ ينطوي على سلسلة من العلاقات السببية، والغائية، في مقابل الحاضر المختلط، ومتعدد الأشكال وغير قابل للفهم، ويومئ إلى آراء مارو، وآرون، ويرى أن الفهم هو نوع من إعادة البناء. ولا يمكن فصل السرد التأريخي –إذاً– عن موقع الشخصية/ الراوي، والأنساق الثقافية المشكلة لوعيها بالوجود، وبالحدث المتداخل، ومن ثم يسهب سارد رواية محمد جبريل في عرض الأصوات البسيطة، بجوار مذكرات عمر مكرم، وتأريخ الجبرتي، ليؤكد تنوع الأنساق الحكائية التفسيرية للحدث، فضلاً عن رؤى الآخر، مثل مينو، وكليبر، والتي تكشف عن المركزية، وإمكان تفكيكها، أو تداخلها المحتمل مع الآخر في نموذج مختلف من الاتصال الحضاري.

ونعاين حالات التفكك الممزوجة برؤى تشبه الحلم الكابوسي الصاخب في رواية محمد جبريل، إذ يروي أحد البسطاء اعتياد الناس مشاهد الأجسام، والرؤوس المتدلية على أسوار القاهرة، فضلاً عن صمتهم أمام جثة «الخضري»، وإشفاقهم من انتفاخ الجسد، وتشوه الملامح. ويذكرنا هذا التشوه المحتمل بأعمال الفنان فرانسيس بيكون التي تؤكد صخب التفكك، وحضور الجسد، وجمالياته، وأصواته في آن، وهي تؤكد أهمية المنظور الجمالي في قراءة مثل هذه الأعمال، وأن رواية الأصوات البسيطة لتلك الحالات التي تشبه أحلام الفن، وكوابيسه، توحي بمحاولة استعادة الصوت السابق لبنية الصمت، وهو ما يؤكد منظور عمر مكرم في التواصل الحضاري، والتحديث، ونمو الوعي بالذات، وتطورها الثقافي إزاء الآخر.