الروائي الجنوب أفريقي كويتزي يسأل عن مركز الإنسان في الكون

غلاف الكتاب
باريس - أنطوان جوكي |

بعد رواية «طفولة يسوع» (2013)، يتابع الكاتب الجنوب أفريقي جون ماكسويل كويتزي (نوبل 2003) استكشافه لموضعَي المهاجرين والهوية الضائعة مع رواية «تربية يسوع» (2017) التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار «سوي» الباريسية، وتشكّل في طبيعة سرديّتها حكاية مسارّية آسِرة، وفي مساءلتها فن الرواية ونفحتها الفلسفية تحفة أدبية نادرة. في «طفولة يسوع»، نتعرّف إلى سيمون ودافيد، وهما راشد وطفل، حامٍ ومحمي، نجهل من أين أتيا وما هي قصة كلّ منهما. كل ما نعرفه هو أن لقاءهما يتم على متن باخرة محمّلة بالمهاجرين، وأن سيمون الأربعيني سيشفق على الطفل دافيد ويقرر تبنّيه قبل أن ترسو سفينتهم ويستقران في مخيم للاجئين على أطراف بلد غير مسمّى. ولأن كلّ منهما يبدو فاقداً ذاكرته، مفرّغاً من نفسه، تتوجّب عليهما إعادة ابتكار ذاتهما، تعلّم لغة جديدة ـ الإسبانية ـ والتأقلم في مكانٍ أقل ما يمكن أن نقول فيه هو أنه عدائي: «نصل إلى هذا المكان مغسولين من ماضينا. نبدأ صفحة جديدة من حياتنا، صفحة بيضاء» يقول سيمون، الذي سيجد عملاً في المرفأ كعتّال ويصادف امرأة تدعى إيناس وتقبل فوراً أن تصبح أمّاً بالتبني للطفل دافيد.


في مطلع «تربية يسوع»، نجد هذه الشخصيات الثلاث، التي تستحضر قصّتهم إلى أذهاننا قصة مريم ويوسف ويسوع، ملاحقين من السلطات المحلية لأن سيمون وإيناس رفضا تسجيل دافيد في المدرسة، مفضّلين تربيته على طريقتهما، عبر دفعه إلى قراءة نسخة مبسّطة ومصوّرة من رواية سيرفانتيس «دون كيخوتي»، ولهذا السبب يفرّون من مديمة نوفيلا برفقة الكلب بوليفار، ويستقرون في مدينة إستريلا الصغيرة، داخل مزرعة. وتدريجاً، يتآلف دافيد مع بيئته الجديدة ويكتشف الطبيعة المحيطة بالمزرعة مع أطفال المزارعين والغجر، لكنه يرفض بحزم الانصياع لقوانين الراشدين نظراً إلى طبيعته المتمرّدة والمستقلّة: «لا يريد أن يكون مثلنا قلِقاً بشأن المستقبل، يريد ان يكون حرّاً»، تقول إيناس في مكانٍ ما من الرواية، ويجيبها سيمون: «أنا لا أوجّه حياته. لقد توقّفتُ حتى عن نصحه. الحقيقة هي أنه يتعبنا، يهرسنا، ولم يعد لدينا اي قوة للمقاومة».

وعلى رغم عصيانه، يقبل دافيد في النهاية بدخول أكاديمية الرقص في المدينة حيث تعمل الراقصة الجميلة أنّا ماغدالينا وزوجها الموسيقي العجوز على تربية نفوس الأطفال من خلال الرقص والموسيقى. أما برنامجهما فليس أقل من «إرشاد تلاميذنا ومساعدتهم على بلوغ تناغمٍ مع حركة الكون الكبرى»، لاقتناعهما بأن الكون يشكّل بذاته أكمل الرقصات، وفيه يكمن «علم النجوم والأرقام». ولا شك في أن ثمة استحضار هنا لنظريات أفلاطون في هذا الموضوع، لكن كويتزي لا يسمّي أحداً ويبقى ضبابياً على طول سرديته، مركّزاً إياها على موضوع الرقص باعتباره رياضيات كونية وحكمة عليا، أو «مانترا» (mantra) هبطت من السماء وتساعد في خلق تحوّل نفسي.

فرحة دافيد بالرقص لن تدوم، فواقع عالمنا العنيف لن يلبث أن يلحق به إلى داخل هذه الأكاديمية حيث تقع عملية اغتصاب وقتل شنيعة يشاهد نتيجتها بأمّ عينه، فيقول لسيمون: «لماذا البقاء على قيد الحياة أهم من أي شيءٍ آخر؟»، واضعاً هذا الأخير في حالة ضياع تدفعه في النهاية إلى الاقتناع أكثر فأكثر بأن أفضل نموذج لابنه بالتبني هو ربما «ذلك العجوز المجنون وغير المؤذ دون كيخوتي».

غريبة وملغزة مثل «طفولة يسوع»، وأحياناً عبثية، تربكنا هذه الرواية كمَثَلٍ توراتي نحاول عبثاً تفسيره. ولذلك، نتقدّم في قراءتها كعميان، متسائلين غالباً ما هو مقصد كاتبها. وحتى كويتزي نفسه يبدو وكأنه يبحث عن مفاتيح تبقى مخفيّة داخل نصّه. يبدو أيضاً وكأنه يبشّر في الصحراء خلال حقبة فقدت علامات استدلالها، إذ لا نقاط ارتكاز ولا أرضية ثابتة ولا حتى أقطاب معاكسة. فاسم الطفل، دافيد، ليس اسمه الحقيقي. وسيمون وإيناس اللذان يؤدّيان دور الوالدين ليسا والديه. ومع أنهما يعيشان فترة في منزلٍ واحد معه، لكن لا علاقة زوجية بينهما. أما أركان المجتمع التي هي الأرض واللغة والعائلة،، فممحوّة، من دون أن ندري ما إذا كانت موجودة في السابق.

وبالتالي، هذا العالم الغريب في الرواية، الذي يشبه إلى حد بعيد عالمنا، هو مجرّد معطى. فصحيح أن ثمة بلد تعيش هذه الشخصيات الثلاث فيه، لكن لا ذكر لأي بلد آخر، وصحيح أن ثمة لغة محكية، الإسبانية، لكنها ليست لغة هذه الشخصيات التي اضطّرت إلى تعلّمها في الرواية السابقة. أما المدينتان المذكورتان (نوفيلا وإستريلا) فيحمل كلّ منهما اسم مُذنَّب، ونمارس فيهما مِهَناً مضنية لم نتعلّمها في السابق (العتالة، القِطاف) أو لا نتعلّم فيها شيئاً (توزيع بيانات دعائية لمنتوجات نجهل كل شيء عنها). وأخيراً، هنالك نوع أدبي، الرواية المسارّية أو التربوية، لكن قوانينه مقلوبة بشكلٍ راديكالي.

ما يمكن أن نقوله بيقين عن هذا النص هو أن صاحبه يطرح فيه سؤالين مركزيين: على ماذا نربّي أطفالنا في عالمٍ لا نقل لأي إرث أو ذاكرة فيه؟ وكيف نربّي أطفالنا في عالمٍ مجرّد من الأخلاق والشغف؟ ومن خلال ذلك، يسعى إلى استكشاف معنى أن نكبر، أن نتعلّم، أن نكون أباً أو أماً، وإلى تسليط الضوء على تلك المبارزة الثابتة بين العقل والإحساس. وبقيامه بذلك، يحاول الإجابة على سؤال ثالث: إلى أي حدّ يمكن الرواية أن تختلط بالتأمل الفلسفي؟

في رواياته الكبرى، مثل «في انتظار البرابرة»، «مايكل ك.، حياته وزمنه» أو «فقدان المكانة»، يكمن فنّ كويتزي في تجسيده رسالة سياسية واجتماعية قوية داخل سردية حيّة وسحرية، من دون فرض نفسه سلطةً أخلاقية، بل مجرّدَ مشيِّدِ قصص. وهذا ما يفعله في روايته الأخيرة، مسائلاً في طريقه مكان الإنسان في الكون، ومن خلال حوارات سيمون ودافيد الغزيرة، معنى اللغة والحياة والموت، وأيضاً معنى الحب والجنس والأرقام، من دون أن ننسى تلك التساؤلات الخفيّة المطروحة في إطار جريمة الاغتصاب والقتل التي ستصدم دافيد، وأبرزها: ما الذي يفصل الطفل عن الراشد؟ ولماذا يختلف معنى العنف من جهتَي الحدود التي تفصل بينهما؟ وهل يمكن أن نكون غريبين عن أي قانون، مثل مرتكب الجريمة؟ وكيف يمكن تطبيق العدالة في عالمٍ تغيّرت كلياً معالمه؟

وسواء بطريقة طرح هذه الأسئلة العميقة التي تواجهنا على طول الرواية، أو بالسردية الساحرة والمبلبِلة التي تحملها، يتابع الفن الروائي تحولاته الغريبة على يد كويتزي بفضل مهاراته الكتابية ورؤيته المجدِّدة لهذا الفن.