نجاح متباين لديبلوماسية التوحيد الرياضي للكوريتين

كتب وديع عبد النور |

صبّت وكالات أبناء عالمية اهتمامها أخيراً على أجواء مشاركة بعثة كوريا الشمالية في دورة الألعاب الآسيوية الـ18 المقامة حالياً في مدينتي جاكرتا وبالمبانغ الإندونيسيتين، ولم يقتصر الأمر على التألق في إحراز الميداليات، بل وصل إلى «سرقة قلوب المشجعين» قبل عودة المجلّين إلى ديارهم كأبطال يكافأون بالسيارات والمنازل. وأوردت وكالة «فرانس برس» مثلاً أن «أغلالاً أزيلت وعبّر الرياضيون عن سرورهم للكشف عن قصصهم الشخصية للمرة الأولى».


عندما شاركت الكوريتان بفريق موحّد للسيدات في الهوكي على الجليد خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي أجريت في بيونغ تشانغ في شباط (فبراير) الماضي، اتضح أن القرار أكثر رمزية من الناحية العملية، إذ خسر الفريق مبارياته كلها بفوارق كبيرة.

أما المنتخب النسائي الموحّد لكرة السلة في «الآسياد»، فيبدو مرشحاً إلى التتويج بميدالية، وسيواجه نظيره التايواني ضمن الدور نصف النهائي اليوم. وأكّد المدرّب لي مون كيو أن رغبة الفوز ذاتها تتملّك «اللاعبات الشماليات والجنوبيات».

وإضافة إلى الفريق المشترك في كرة السلة للسيدات، تخوض الكوريتان معاً الكانوي والتجذيف، وأحرزتا ميدالية ذهبية وبرونزيتين.

ويقول محللون إن ديبلوماسية الرياضات الجيدة هي إحدى السبل التي يحاول الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون من خلالها تخفيف صورة نظامه النووي في عيون الشعب الكوري الجنوبي. وقد تساعد إستراتيجيته على التقليل من المخاوف على المدى القصير من الحرب في شبه الجزيرة.

لكن بالنسبة إلى كثر في الجنوب، لا يوحي فريق كرة السلة المشترك أن بيونغيانغ ستفكك ترسانتها النووية. ويرى مشككون أن رؤساء كوريا الجنوبية السابقين «يدفعون ثمناً باهظاً للقمم بين البلدين» باعتبار أن الشماليين لم «يوقفوا فعلاً الأعمال العدائية والتهديدات تجاه الجنوب»، وفق دويون كيم، الخبير في شؤون منع الانتشار النووي (مقره سيول). ويضيف: «لن يصدقوا حتى يلمسوا براهين توفّر خريطة طريق للحل السياسي والملف النووي».

في بيونغ تشانغ، كان منتخب السيدات للهوكي على الجليد أول فريق كوري موحّد يخوض الدورة الأولمبية. وحتى ذلك الحين، كان التعاون في المناسبات الرياضية الكبرى مقتصراً عموماً على سير بعثتي البلدين معاً تحت علم موحّد خلال حفلات الافتتاح.

وتلفت أودو ميركل، الخبيرة في الأحداث الرياضية الدولية في جامعة برايتون البريطانية، إلى أن الأجواء في مثل هذه الأحداث تتحوّل إلى عدائية أحياناً. فمثلاً، أدار أفراد منتخب كوريا الجنوبية لكرة السلة ظهورهم عندما عُزف النشيد الكوري الشمالي في دورة الألعاب الآسيوية في هوانغزو (الصين) عام 2010، بينما تجاهل المشجعون الشماليون النشيد الكوري الجنوبي وظلوا جالسين.

حتى فريق الهوكي الموحَّد في الأولمبياد الشتوي الأخير واجه انتقادات شديدة، بما في ذلك من أفراد من البعثة الكورية الجنوبية أعربوا عن خشيتهم مما وصفوه بأنه إضافة كوريا الشمالية في آخر دقيقة إلى لائحة المشاركين. وكان من شأن الانتقادات لقرار سيول تشكيل الفريق الموحد، التأثير في معدّلات تأييد الرئيس مون جاي وقتذاك.

لكن ذلك لم يردع البلدين عن إشراك فرق موحّدة للمرة الأولى في الآسياد، ومن أصل 12 لاعبة يتألف منها منتخب السلة للسيدات، هناك 9 لاعبات من الجنوب، أبرزهن بارك جي سو (19 سنة) لاعبة لاس فيغاس إيسز.

داخل كوريا الشمالية، يرجّح أن تولّد المشاركة الموحّدة الفخر والحماسة. وتجمّل صورة النظام، وفق كيم سوك هيانغ، الأستاذ في دائرة الدراسات الخاصة بكوريا الشمالية في جامعة Ewha Womans في سيول، لا سيما أن كيم جونغ أون من عشاق كرة السلة، وتربطه صداقة بنجم اللعبة الأميركي السابق دنيس رودمان.

في المقابل، تعتبر برونوين دالتون، الخبيرة في شؤون كوريا الشمالية في جامعة سيدني للتكنولوجيا، أن تعزيز البراعة الرياضية كمقياس للتفوُق الكوري الشمالي يمكن أن يثبت أنه خطر على النظام، عند جلاء الحقيقة. لكن عموماً، تجد أن «بيع الديبلوماسية الرياضية للشعب الكوري الشمالي أسهل بالنسبة إلى دعاة النظام من السعي مثلاً وراء جوائز السلام، أو غيرها من الأوسمة التي «تشكّلها أيديولوجيات التعددية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية». أما بالنسبة إلى سيول، فإن الهدف الأساس، وفق محللين، يكمن في توفير لمحة عن شبه الجزيرة الكورية الموحّدة للجنوبيين والعالم.

وتشير ميركل إلى أن ألعاب جاكرتا تقدّم أيضاً فرصة للرئيس الكوري الجنوبي للحصول على دعم لأهدافه السياسية من زملائه القادة الآسيويين، الذين يشترك بعضهم في موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن نزع السلاح النووي كاملاً في كوريا الشمالية يجب أن يكون شرطاً مسبقاً لرفع العقوبات الاقتصادية عن بيونغيانغ. وبهذا المعنى، فإن الوفد الرياضي الموحّد جزء من «إبقاء الشعلة متقدة بعدما أضرمت نارها في الألعاب الأولمبية الشتوية».

لكن كيم، الخبيرة في منع انتشار الأسلحة النووية، أشارت إلى أن الكوريين الجنوبيين أصبحوا متشككين على مرّ الأعوام من صدقية بيونغيانغ، علماً أن جيل الشباب يبدو أقل أيديولوجية وأكثر قلقاً، خصوصاً في ما يتعلّق بالعبء المالي للوحدة مع الجيران الأكثر فقراً.