رحلة «المثال» في تاريخ النقد السينمائي

فيكي حبيب |

تختصر الناقدة السينمائية أمل الجمل في عنوان كتابها الأخير «سمير فريد: الناقد السينمائي النموذج والمثال» ما تختزنه الصفحات الـ175 من كلمات في حب سمير فريد... كلمات في حب السينما. وليست أل التعريف في العنوان إلا ترجمة لكل ذلك التقدير الذي يزخر به الكتاب حول مساهمات سمير فريد في إعلاء شأن السينما في مصر، ولكن أيضاً ترجمة للعرفان الذي يكنّه كثيرون للرجل الذي لم يبخل يوماً في مساعدة من يطرق بابه لإنجاز مشروع يصبّ في خدمة السينما في بلاده.


فهو «(الـ) نموذج» و «(الـ) مثال»، لا بالنسبة إلى الكاتبة وحدها، بل أيضاً لأجيال من السينمائيين والعاملين في النقد السينمائي في «أم الدنيا». وللتدليل على ذلك، اختارت الكاتبة أن تعتمد أسلوب «البازل» لرسم بورتريه للرجل الذي كرّس حياته كلها في خدمة الفن السابع، وبات من الصعب أن تذكر اسمه من دون أن تردفه بمفردات عالم السينما.

شبكة من الشهادات

«بازل» أعادت أمل الجمل تركيبه من شهادات كثيرين من مجايلي سمير فريد ومحبيه بأسلوب رشيق، أنيق، من دون أن تخشى أن يعيب عليها بعضهم أن تلك الشهادات طغت على الكتاب كله، إلى درجة لا يكاد القارئ معها يقترب من موقف «مؤلفة» الكتاب، إلا في صفحات قليلة. وكأن أمل الجمل التي أفصحت في الكتاب أنها لو قدّر لها أن تختار خمس شخصيات لتشكل شخصيتها، وقفت عاجزة أمام سمير فريد... أمام «أناها» الذي تتمنى أن تكونه، فقدمته بعيون الآخرين، وليس أي آخرين، بل أولئك الذين أدركوا قيمة الرجل في حياتهم وفي الحياة الثقافية العربية. أو ربما تراها تنحاز إلى شخصية «الباحثة» في نفسها أكثر من انحيازها إلى شخصية «المؤلفة». أو ربما تكون قد تأثرت كثيراً بشخصية سمير فريد، فأرادت تقمّص بعض ما فيها من سخاء ونبل، وتحديداً حين تكتب في مستهل الفصل الأخير من الكتاب الصادر عن «منشورات مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية» والمؤلف من سبعة فصول: «النهضة لا يصنعها فرد لوحده. النهضة تحتاج إلى فريق عمل كبير. تحتاج إلى الاتحاد والإخلاص ودعم الآخرين. وسمير فريد كان يدرك ذلك وكان مخلصاً لحلمه ولذلك كان يدعم كل من يحتاج إلى الدعم، لذلك لم يكن يبخل بأي مواد أو وثائق او مراجع من أرشيفه الخاص. كان يمكن لسمير أن يصدر هو كتاب «رسائل توفيق صالح إليه» في كتاب باسمه هو، وكان يمكنه تكرار الأمر مع رسائل سيد عيسى ومحمد كامل القليوبي، وكذلك كنز آخر أراه شديد الأهمية والمتمثل في 500 رسالة أخرى وصلته من صديقه الطاهر الشريعة، لكن سمير فريد، وبالاتساق ذاته مع شخصيته المعطاءة المتسامحة الكريمة، فقد تركها لآخرين يدرسونها ويقدمون رؤية إضافية. هنا، كان يمكن لشخص آخر ألا يفعل ما قام به سمير، كان يمكن بسهولة لشخص آخر أن تأخذه الأنانية ويعتبر أن ما بحوزته من رسائل هو كنزه الخاص وميراثه هو ليتاجر به، أو على الأقل يســــتثمره. لـــــكن سمير فريد كان يهمه في المقام الأول خدمة الثقافة السينمائية، والمساهمة ولو جزئياً في التوثيق لجزء من تاريخ السينما المصرية والعربية، وقراءة تاريخها من زوايا متعددة. لذلك في عام 1996 أهدى إلى جمعية نقاد السينما التونسية أكثر من 500 رسالة وجهها إليه صديقه، مؤسس ومدير مهرجان أيام قرطاج، الراحل الـــطاهر الشريعة. وإن كانت للأسف لم تــظهر حتى اليوم إلى النور».

ما قبل سمير فريد

إعجاب أمل الجمل بسمير فريد لم يمنعها في المقابل في مستهل الكتاب من أن تفرد نحو عشر صفحات لتصحيح فكرة عامة مفادها أن لا صحة في أن النقد السينمائي لم يكن له وجود في مصر قبل سمير فريد، وقبل أن يدور في ذهن القارئ السؤال هل هو أمام كتاب يحتفي بسمير فريد أو أنه أمام كتاب يهتم برصد الحركة النقدية المصرية، تصوّب الكاتبة البوصلة، إذ تقول في متن الباب الأخير من الفصل الأول تحت عنوان «النقد السينمائي الحديث في مصر»: «... لكن هذا ليس كتاباً مخصصاً لرصد الحركة النقدية المصرية عبر مراحلها وأجيالها المختلفة منذ بداية السينما وحتى الآن. هذا الكتاب مخصص لتأمل تجربة الناقد السينمائي سمير فريد ومحاولة تفهم لماذا وكيف شغل تلك المكانة وبنى هذه الأسطورة. لكني وأنا بصدد ذلك كان لا بد من الاستطراد قليلاً لأجيال سابقة، لتوضيح بعض الملابسات، وتصحيح بض الأخطاء، ليس من أجل التقليل من شأن أو قيمة شخصية البحث هنا، ولكن على العكس تماماً لتوضيح أنه عندما كان سمير فريد يصنع تاريخه، لم يكن النقد السينمائي، والكتابة النقدية المنهجية وحدها هي منطقة التميز الوحيدة، ولكن النقد السينمائي كان أحد الجوانب في تلك الشخصية إلى جوار مواهب وملكات أخرى عديدة، لعلنا ننجح في توضيحها».

وقد نجحت أمل الجمل في كتابها هذا، على رغم ما فيه من أخطاء لغوية يعجّ بها، في إدخال القارئ إلى عالم سمير فريد، ذلك الفتى الذي تمرد على والده مرتين، كما يخبرنا الكتاب. مرة عندما مزق له والده لوحة «الغذاء على العشب» لفرانسوا بوشيه، فقرر السفر عند خاله في المنصورة طوال فترة الصيف ليرسم هناك على راحته. ومرة ثانية عندما أصر والده على أن يلتحق في كلية الشرطة، فقرر سمير أن يدخل أحد الأفلام بسينما سهير يوم كشف الهيئة... وعلى رغم ذلك لم يمانع الأب من التحاق ابنه بمعهد الفنون المسرحية قائلاً: كنت أريدك أن تلتحق بكلية الشرطة حماية لك من نزق الرسم والأدب والفنون».

ولكن بينما عجز والد فريد عن «حمايته» من إغراءات السينما، جاءت المفارقة بأن «حمى» فريد أباه من تبعات خياره هذا، فقدم تنازلات (سياسية طبعاً) خوفاً على والده من أن يصيبه أي مكروه وهو على فراش المرض. وهنا يفتح الكتاب هامشاً للحديث عن سمير فريد «السياسي»، لا سمير فريد المناصر الأول لـ «الواقعية الجديدة» في السينما العربية فحسب، فنتعرف إلى تأثره برجاء النقاش، ولكي أيضاً بسارتر الذي يعود لكتاباته الفضل في تكــــوينه الفكري.«سمير فريد: الناقد السينمائي... النموذج والمثال» كتاب ممتع لا يخلو من جهد أرشيفي كبير يجعل قارئه بعد أن ينتهي منه يردد مع شادي عبدالسلام في فيلم «المومياء» العبارة التي اختارتها أمل الجمل لمقدمة كتابها: «أعطني اسمي في البيت الكبير، وأعد إلى الذاكرة اسمي... يوم أن تُحصي السنين».