كوثر بن هنية: تكريمات لا تنتهي في الإنتظار الصعب للفيلم المقبل

كوثر بن هنية (الحياة)
إبراهيم العريس |

لو كان يمكن للأمور أن تجري كما ينبغي لها في شكل طبيعي في أحسن العوالم الممكنة، كان من المنطقي لكوثر بن هنية أن تحضر الدورة المقبلة لمهرجان الجونة السينمائي أواخر شهر أيلول (سبتمبر) المقبل ليس لمرافقة عرض فيلم قصير لها عنوانه «بطيخة الشيخ»، سيظل فيلماً قصيراً وهامشياً حتى ولو كان هذا عرضاً عالمياً أولاً له، وحتى ولو أن من المتوقع لكوثر أن تلقى ترحيباً كبيراً لأسباب عديدة لعل من أهمها أنها ستستقبل ضمن إطار تحية خاصة للسينما التونسية، وتحديداً لسينما المرأة التونسية ممثلة بإعطاء جائزة الإبداع لدرة بوشوشة إحدى أبرز الناشطات في السينما التونسية منذ زمن بعيد -، كان من المنطقي، بل حتى من المتوقّع، لصاحبة «على كف عفريت» أن تحضر مع روائيّ طويل جديد لها عنوانه «الرجل الذي باع جلده» تواصل به مسارها السينمائي اللافت منذ سنوات. وهو فيلم تشتغل عليه منذ أنجزت «على كف عفريت» وكانت أعلنت عنه مرات عديدة واعتقدناها تشتغل عليه بالفعل إلى أن فوجئنا من أسابيع بأنها لا تزال تبحث عن ممثلين سوريين للقيام بأدواره الرئيسية.


هوية محفورة

لا يُعرف الكثير حتى الآن عن «الرجل الذي باع جلده» ولا عن مكان تصويره ولا حتى أين وصل العمل الفعلي عليه، وعما إذا كانت مخرجته- وهي كاتبته أيضا، كعادتها في أفلامها السابقة والتي حقّق كل واحد منها نجاحات وجوائز لافتة- بدأت تصويره فعلاً، لكننا نعرف أن له موضوعاً شديد الراهنية (هجرة السوريين إلى بلاد الله الواسعة)، وحبكة بالغة الجدة (شاب سوري يريد الهجرة إلى أوروبا بأي ثمن ما يضطره إلى قبول عرض يقترحه عليه فنان تحديثي يقوم في أن يرسم له هوية ما على جلد ظهره، في شكل لا يعود معه في وسع سلطات الحدود الأوروبية رفض دخوله منطقة شنغن!). ونعرف أخيراً أنه الروائي الطويل الأول الذي تخرج فيه كوثر بن هنية عن «حميمية» مواضيعها التونسية لتدنو من «العالم الخارجي». مهما يكن من أمر، يبدو أنه سيكون في وسع هذه الشابة المتألقة ذات النظرة الطفولية- الثعلبية والإبتسامة الدائمة، والدهشة المفتعلة إزاء المكانة التي صارت لها، أولاً في السينما التونسية التالية لاندلاع الثورة، وثانياً في السينما النسوية العربية، حين تُحدّث عنها، سيكون في وسعها دائماً أن تقول إن «سوريّةَ» فيلمها الجديد، ستكون «تونسيةً» أيضاً و «عالم ثالثية» بالتأكيد. وفي الأحوال كافة يمكننا أن نفترض منذ الآن أن ترحيب «الجونة» بكوثر سيكون كبيراً، أولاً لكونها تمثل الجيل الأجد في حراك السينما التونسية البارزة، كما تمثل، مع ليلى بوزيد مثلاً، إستمرارية الحسّ النسوي في هذه السينما، حتى وإن كانت تبتسم بمكرها اللذيذ وهي تلفت إلى أن فيلمها المقبل سيدور من حول شخصيات ذكورية. وثانياً لكونها بحضورها مع درة بوشوشة، تعيد إلى الأذهان تلك التواصلية المدهشة لحضور المرأة في أفضل ما يُنتج في تونس، على خطى مفيدة تلاتلي والراحلة كلثوم برناز ثم رجاء عماري وغيرهن.

ذلك التميّز المبهر

ثم قبل ذلك كله لأدائها السينمائي المميز نفسه إذ نعرف أنه وخلال أقل من خمس سنوات عرفت هذه السينمائية التونسية الشابة، كيف تحقق لنفسها مكانة هامة في سينما بلادها، وتوزع أعمالها القليلة في مجال الفيلم الروائي الطويل (ثلاثة أفلام بين 2014 و2017)، على عدد من أبرز المهرجانات السينمائية المحلية والعالمية، وهكذا مثلاً رأينا فيلمها الطويل الأول «شلاط تونس» يحوز على جائزة العمل الأول في مهرجان نامور البلجيكي، ثم على تنويه خاص في مهرجان سلا المغربي لسينما المرأة (2014)، ثم فيلمها الثاني «زينب لا تحب الثلج» (2016) يعرض ويفوز بالطانيت الذهبي في مهرجان قرطاج. أما فيلمها الثالث والأحدث «على كف عفريت» (2017) فعرض ضمن تظاهرة «نظرة ما» في دورة العام 2017 لمهرجان «كان» السينمائي.

ولكن هنا لا بد من الإشارة، (وكما قلنا عنها في الصفحات المخصصة لها في «القاموس النقدي للمخرجين» الصادر قبل فترة عن مركز دراسات الوحدة العربية) أن عروض أفلامها في المهرجانات ليست نقطة القوة الوحيدة في سينما بن هنية، التي إلى قدرتها اللافتة على ابتكار المواضيع، وقدرتها على اختيار لغة سينمائية مميزة وقادرة حقلاً على ملاءمة كل واحد من مواضيع أفلامها، عرفت كيف تجدد في السينما التونسية وهي منخرطة في الواقع الحيّ لأحوال مجتمع بلادها. إذ حتى اليوم، وفي انتظار «الرجل الذي باع جلده»، لا تزال هذه المبدعة الأربعينية تنهل من مواضيع شائكة لم يحدث للفن السابع أن دنا منها كثيراً.

فمثلاً نجدها في روائيَّها الطويل الأول «شلاط تونس» تخوض نوعاً سينمائياً يطلق عليه الناقد خميس خياطي اسم «الوثائقي الكذاب»، حيث تقوم على «قصّ له مظاهر الوثائقي، وفيه تعارض بين جدية المظهر والمضمون، وسخرية التعاطي». فالموضوع لديها، وهو هنا نوع من التحقيق حول شخصية شاب تونسي حقيقي متزمت يأخذ سكيناً حيث يخرج من بيته ليجرح فتيات يرى أنهن لا يراعين الحشمة. هذا الشاب سبق أن استشرت تصرفاته حقاً في تونس وكشف أمره، وها هي السينمائية هنا تستعيده في نوع من إعادة إنتاج ما فعل تلاحقه بكاميراها، ثم تساؤله هو نفسه، بعدما ادعت السلطات أنها اعتقلته وأودعته السجن، فإذا الفيلم يأتي ليقول عكس ذلك، ويكشفه لنا مواجهة مدلياً بآرائه وأسبابه. وهنا لا يعود الفيلم كشفاً لجرائم الشاب، بل لأكاذيب السلطات، كفعل سياسي حقيقي.

منذ عروضه الأولى أثار هذا الفيلم حماساً كبيراً، لا سيما لدى النقاد الذين استقبلوه بحفاوة ومنهم خميس خياطي الذي قال إن «شلاط تونس» جاء «في صورة متاهة كبيرة، حيث تواجهنا عند كل مفترق طرق حكاية جديدة– صحيحة كانت ام خاطئة– تولجنا أكثر في صلب واقع معقد» لذلك، يقول خياطي، يتم التعامل «مع متعة الشلاط كأداة درامية لتشريح اجتماعي وسياسي»

وثائقية مباشرة نحو

أما في «زينب تكره الثلج» فقد كانت كوثر بن هنية أكثر ميلاً إلى الأسلوب الوثائقي بصورة مباشرة، حيث قدمت لنا على مدى أكثر من ساعة ونصف الساعة، الصبية زينب التي فقدت أباها في العام إذ قتل في حادث مرور وهي بعد في التاسعة من عمرها. وذات مرحلة تبدأ أمها بالاستعداد للبدء في حياة جديدة لها مع رجل ترتبط به، لكنه يقيم في كندا. ولكي تغري الأم ابنتها بالسفر معها وتجربة تلك الحياة الجديدة، تعدها بأنها أخيراً، في كندا، سوف ترى الثلج. لكن زينب سيكون لها جواب واحد أنها لا تثقف بـ «الأب» الجديد، ولا تحب كندا، ثم.. من قال لأمها إنها تحب الثلج. إنها لا تحب الثلج.

مرة أخرى في هذا الفيلم، تمكنت كوثر بن هنية من استخدام كاميراها المرهفة، ولغتها السينمائية التأملية والدينامية في الوقت نفسه، لتقديم عمل إنساني مستقى من الواقع مباشرة. وهذا ما أوصلها في عملها الثالث، الذي على عكس «زينب لا تحب الثلج» إلى السينما الأقرب إلى الروائية. ففي «على كف عفريت» الذي تدور أحداثه في ليلة واحدة، ولفت الأنظار حقاً في دورة كان حيث كان عرضه الأول. وفي هذا الفيلم تعود مرة أخرى كوثر بن هنية إلى بطلة/ فتاة، كانت تمضي سهرة راقصة مع رفاق لها، وتلتقي نظراتها بنظرات شاب أحست أول الأمر بالانجذاب نحوه، لكنها سرعان ما تكتشف بعد دقائق أنه لا يختلف عن غيره من رجال هذا البلد في نظرته الاستحواذية إلى المرأة.

بدأت كوثر بن هنية حياتها بدراسات تجارية قبل أن تقرر الانتقال إلى السينما حيث بعد دراسات مكثفة عززها انتماؤها المبكر إلى الاتحاد التونسي للسينمائيين الهواة، حققت تباعاً ثلاثة أفلام هواة لتلتحق بعدها بمعهد الـFEMIS الفرنسي، وتبدأ لاحقاً مساراً سينمائياً كان من بين علاماته الأساسية فيلمها الوثائقي المتوسط الطول «الملالي يذهبون إلى المدرسة» (2010). وهو فيلم كان من الطبيعي أن يقربها خطوات أكثر جدية، هذه المرة، من مشروع سينمائي حقيقي تال كانت على أي حال قد مهدت له نظرياً، عبر دراسة جامعية انجزتها ضمن إطار دراستها في السوربون الجديدة عام 2008 حول «الوثائقي– الكذاب: روائي ضد الوثائقي أو معه». ويمكن القول إن معظم سينماها حتى اليوم ينتمي حقاً إلى هذه الفكرانية السينمائية الما- بعد- حداثة.