«الملكة» لستيفن فريرز: زعيم العمال ينقذ قصر باكنغهام

ابراهيم العريس |

كان ذلك الأسبوع الذي يمر اليوم عليه واحد وعشرون عاماً بالتمام والكمال، واحداً من أصعب الأسابيع التي مرّت على الأسرة المالكة البريطانية في العصور الحديثة. أو هذا ما كانه، في أي حال، رأي الملكة إليزابيث الثانية بحسب ما أفادنا بعد ذلك بسنوات فيلم حققه ستيفن فريرز. ولم يكن من قبيل المصادفة أن الفيلم الذي يدور أساساً حول مقتل الأميرة ديانا في مثل هذا اليوم من عام 1997، لا يحمل اسمها عنواناً له، بل عُنون «الملكة» لأنه يدور أصلاً حول رد فعل ملكة بريطانيا وأسرتها وقصر باكنغهام على ذلك الحادث.


إن السؤال الأساسي المطروح في الفيلم هو: كيف كان يمكن أسرة إنكليزية من طبقة عليا أن تعيش الأسبوع الذي شهد وتلا مقتل مطلقة الابن الأكبر لهذه الأسرة في حادث سير سرعان ما يتبين أن عشيقها الجديد قتل معها فيه؟ إذا نسينا حين نشاهد فيلم «الملكة» لستيفن فريرز، أن ربة الأسرة هي ملكة بريطانيا العظمى، وربّها، زوج السيدة الملكة، يمكننا أن نجيب بسهولة عن السؤال: كان من شأن هذه الأسرة أن تعيشه تماماً كما عاشته الأسرة المالكة، بحسب سيناريو بيتر مورغان وإخراج فريرز، وسط كثير من الارتباك وعزة النفس. فالأسرة في الفيلم فضّلت، أول الأمر، الابتعاد من المكان والتوجه في نزهة خلوية طالما أن المطلقة هنا، أي الأميرة ديانا، لم تعد فرداً من الأسرة. لكن المشكلة تبدأ في الفيلم وفي الحياة العادية، من الكلمة التي تلي تماماً كلمة «الأسرة» الواردة في السطر السابق: ... المالكة. فحين تستنكر الملكة إليزابيث في الفيلم أن يكون من الضروري انضمام الأسرة إلى الشعب والحكومة في الاحتفال بدفن ديانا والحداد عليها، تصر الملكة على أن هذه الأخيرة لم تعد واحدة من أفراد الأسرة المالكة.

> ولكن، في تلك الأثناء يكون توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الطازج الآتي من «النيولايبور» أي حزب العمال الجديد، الذي وجد نفسه آخر شهر آب (أغسطس) ، أي بعد أسابيع قليلة من تسلّمه الحكم، أمام معضلة سياسية - عائلية قومية، يكون قد وصف ديانا بـ «أميرة الشعب» مستجيباً لحداد عشرات ملايين الإنكليز ومئات ملايين الأفراد في العالم أجمع أمام هول كارثة أودت بحياة صبية كان الناس اعتادوا وجودها و... التسامح مع نزواتها، منذ سنوات.

> الأسرة المالكة، لا سيما إليزابيث الثانية وزوجها دوق أدنبرة، ما كان يمكنها أن تتسامح، فالمسألة ليست فقط مسألة عائلية، بل قضية كرامة سياسية. كل هذا يشكل، طبعاً، جوهر هذا الفيلم الذي شاء أن يصور ما لم يره أحد يومذاك وبالكاد طرح الناس حينذاك أسئلة حوله: كيف عاشت إليزابيث وأهل البلاط كل تلك الأحداث المتعاقبة، في حياتهم الخاصة؟ كيف جرت تلك الأمور التي لا يعرف أحد شيئاً عنها؟

من هنا، يشتغل الفيلم على مبدأ التلصص، ما أعطى فيلم «الملكة» قوته الاستثنائية ونقطة جاذبيته الأساسية. فهنا، حتى وإن كنا في قلب التاريخ، والتاريخ الذي يعرفه الكل عن ظهر قلب، فإننا أيضاً في قلب «الذي لا يوصف»، في داخل حميمية أهل بلاط باكنغهام المعاصرين لنا. بل أكثر من هذا في فيلم ستيفن فريرز الجديد ثمة حميميتان تنكشفان فجأة أمامنا: حميمية قصر باكنغهام وقصر الصيد الملكي في بالمورال، ثم حميمية بيت توني بلير، حيث إن الفيلم لا يصف فقط ما فعلته الملكة وظل خفياً، بل أيضاً ما عاشه بلير الذي، على رغم عماليته، يصل به الأمر إلى إنقاذ الملكة من نفسها... على الضد من رغبة زوجته شيري ذات النزعة الجمهورية.

> للوهلة الأولى قد يبدو هذا كله أنه يضعنا في قلب دراما قصور من النوع الشكسبيري، لكن الأصح من هذا هو أن الفيلم يبدو منتمياً أكثر إلى عالم ماكيافيللي في قلب التاريخ، وفي قلب السينما، حيث إن فيلم فريرز لا يتعامل مع هذا التاريخ في قالب تسجيلي بل في تحد كبير. بخاصة أن «الملكة»هو فيلم سيناريو في الدرجة الأولى، أكثر منه فيلم إخراج. وبالتالي هو فيلم يشتغل على مستوى الحوار والحركة المرسومين سلفاً ما يحتاج إلى قدرات تمثيلية هائلة. وفي يقيننا أن قوة فيلم «الملكة» الأساسية تكمن هنا. لقد وفق ستيفن فريرز بالنسبة إلى كل الذين قاموا بالأدوار الأساسية في الفيلم، ولكن خصوصاً في اختياره هيلين ميرين لدور الملكة إليزابيث، ومايكل شين لدور توني بلير. فهما، أمام كاميرا ستيفن فريرز القوية والسابرة روح الشخصيات، تمكنا بعد دقائق تردد أولى، من إقناعنا بأننا حقاً أمام إليزابيث وبلير. بل من دون أن نجازف بالمبالغة - شعر الجمهور أمام حضور كل منهما الطاغي، بأنه أمام أكثر من الملكة وأكثر من بلير: أمام ما كان يجب أن تكون عليه إليزابيث حقاً، وما كان يجب أن يكون عليه بلير!

> قوة الأداء وقوة الإخراج ساعدتا في هذا بالتأكيد. ولكن هناك أيضاً سيناريو بيتر مورغان، ثم الحوارات القوية الشكسبيرية حقاً هنا سواء جاءت عبر جمل ترمى هنا وهناك لتعبر عن مسالك هذه الشخصية أو تلك، أو تدور بين شخصيتين أو أكثر. من النماذج الدالة على النوع الأول، ما يقوله الأمير فيليب الذي يكاد يكون أكثر شخصيات الفيلم إثارة للاشمئزاز، حين يدخل مدير البروتوكول ليخبر الملكة بمقتل ديانا. ففيليب حين يسمع اسم ديانا هكذا عند الفجر، يقفز قائلاً: «ماذا... فعلت أيضاً هذه المرة؟». هذه العبارة إذ تأتي في هذا السياق، تكاد وحدها تقول الفيلم كله، وتقول موقف قصر باكنغهام مستفزة مشاعر المتفرجين. أما المثل الأروع على الحوارات الثنائية، فذلك الحوار الذي يدور في المشهد الأخير بين الملكة ورئيس حكومتها.

> إن السؤال البدهي الذي يمكن طرحه هنا، طالما أن موضوعنا هو العلاقة بين السينما والتاريخ، هو التالي: هل حدثت الأمور، في الكواليس، على هذا النحو حقاً؟ الجواب، طالما أننا أمام عمل فني في نهاية الأمر هو: ليس بالضرورة. وكان يمكن أوساط الملكة وأوساط بلير أن توضح وتنفي. وتحديداً لأننا هنا في صدد عمل فني مهمته أن ينظر إلى التاريخ افتراضياً، وليس واقعياً تماماً. فهنا، في فيلم فريرز هذا، ليس المهم أن يُروى التاريخ - في تفاصيله - كما حدث حقاً. ونحن نعرف أن أحداً لا يملك، حتى بالنسبة إلى التاريخ العملي والعلمي، زعم أنه يقول الحقيقة... فكيف بالتاريخ وقد حُوّل إلى عمل فني؟ وأكثر من هذا: حين تقدم السينما على تحقيق فيلم تاريخي، يستعان طبعاً بالأرشيف وبخبرات المختصين، ومع هذا تكون النتيجة فقط عملاً يعبر ليس عما حدث حقاً، بل عن نظرة المؤلفين والفنانين إلى ما حدث. ذلك أن السينما لا ترى أن من مهمتها أن تقول التاريخ كما هو، بل مهمتها خلق ذلك التفاعل بين النظرة الراهنة وتاريخ الأحداث، ما يخلق لعبة الإسقاط المتبادلة بين الماضي والحاضر. أما في فيلم من نوعية «الملكة» فإن المقترح، ليس رواية التاريخ، بل رواية ما لا يمكن التاريخ أن يصل إليه. من هنا، تطلع أمامنا مرة أخرى لعبة التلصص. ولنوضح: كل الناس يعرفون ما حدث حين قتلت ديانا في حادث الاصطدام في باريس. وكل الناس يعرفون أن النبأ خلق أزمة سياسية في إنكلترا، وأن الملكة حاولت التملص من المشاركة في العزاء والدفن، ما زاد من عداء الشعب الإنكليزي للقصر، ومن تفاقم الأزمة، وشعبية ديانا بالتالي. ولكن في النهاية، وهو أمر يعرفه كل الناس أيضاً، لانت الملكة وشاركت و «حزنت». كل هذا معروف، لكن ما لم يعرفه أحد، في أوساط الرأي العام في الأقل هو: كيف حدث ولانت الملكة وما الذي بدل الأمور في مصلحة من؟

> طبعاً، نعرف هنا أن ليس ثمة أرشيفات توضح الأمور... ونعرف، بالتالي، أن هذا الفيلم قائم على فرضيات، وعلى رواية يملكها كاتب السيناريو. ومع هذا، يمكن أياً كان أن يتصور أن ما نشاهده من حياة الكواليس في الفيلم، كان يمكن أن يحدث. من هنا، ينتمي «الملكة» إلى التاريخ الافتراضي ويقدم لنا، أمثولة مدهشة عن الطريقة البارعة التي أنقذ فيها رئيس حكومة عمالي، المؤسسة الملكية في بريطانيا، ببعض العبارات والمواقف التي عرف بها كيف يعيد الملكة إلى صوابها وإلى شعبها وشعبيتها. فلم قد يكون من مصلحة قصر باكنغهام، أو من مصلحة بلير، نكران ذلك؟