عن أيلول «الأسود» وأيامنا الأشدّ سواداً

موسى برهومة |

ثمانية وأربعون عاماً انقضت على الاشتباكات المسلحة بين الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين بقيادة منظمة التحرير، في أيلول (سبتمبر) 1970، وما زالت الذكرى ساخنة تثير الضغائن، وتستعيد أسوأ المحطات التاريخية بين أوساط الشعب الأردني بمكونيْه الأساسيين الأردني والفلسطيني.


لم ينجح نصف قرن تقريباً في شفاء تلك الجروح التي خلّفتها المواجهات العسكرية المدمّرة والمؤسفة بين الطرفين، لا لأنّ تلك الجروح غائرة ومن المستحيل شفاؤها، بل لأنّ هذه الورقة المسماة «أحداث أيلول» تُستخدم من فريق نافذ في الدولة العميقة في الأردن، من أجل إعاقة أي جهد يسعى الى بناء دولة مدنية لكل أبنائها، كما دعا العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، في أوراقه النقاشية الملكية، بخاصة في الورقة السادسة، في 2016، وجاء فيها: «الدولة المدنية هي دولة القانون التي تستند إلى حكم الدستور وأحكام القوانين في ظل الثوابت الدينية والشرعية، وترتكز على المواطنة الفاعلة، وتقبل بالتعدّدية والرأي الآخر، وتُحدَّد فيها الحقوق والواجبات من دون تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري».

كما تستخدم «أحداث السبعين» كورقة تهديدية يلوّح بها أنصار الشد العكسي، كلما لاح فجر جديد في الدولة الأردنية باتجاه كشف أوكار الفساد وتعرية المتورطين في قضايا نهب المال العام، والاستثمار غير المشروع للسلطة، لأنّ الدولة المدنية وحكم القانون ومساواة المواطنين الأردنيين من سائر الأصول والمنابت، تعني في المقام الأول خسارة هؤلاء الفاسدين امتيازاتهم، وتحويلهم إلى القضاء، ونزع الحصانة عنهم، وهي حصانة مستمدة من التحصّن وراء الزوابع وإثارة الفتن والضغائن، والحيلولة دون صفاء المياه الوطنية، لأنّ في ذلك مقتلهم.

ولجماعات الشد العكسي والمقاومة السلبية والممانعة المؤسّسة على المكابرة والإنكار، أنصارٌ من مختلف الفئات والمستويات العمرية والتعليمية، فمنهم وزراء ومحافظون ورجال أمن وأكاديميون وكتاب وصحافيون، وهؤلاء يغذّون المخاوف وينفخون في كيرها، فيصوّرون، على سبيل المثل، «صفقة القرن» التي لا يعرف أحد حتى الآن تفاصيلها واتجاهاتها، باعتبارها خطراً يهدّد التمثيل الديموغرافي في الأردن، ويجعل طرفاً أكثر عدداً من الطرف الآخر، وهي حسبة «جاهلية» تنتسب إلى قرون منقرضة من التاريخ الأسود للجماعات والقبائل المتقاتلة على الماء والكلأ والأراضي الخراب.

قبيل أيام عدة، منع محافظ العاصمة عمّان، للسنة الثانية على التوالي، مهرجاناً تأبينياً في ذكرى الشهيد الفلسطيني أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشــعبية لتحرير فلســــطين الذي اغـتالته إسرائيل بصاروخ استهدف مكتبه بمدينة رام الله في السابع والعشرين من آب (أغسطس) 2001. ولم يذكر المحافظ سبب منع المهرجان الذي دعا إليه حزب الوحدة الـــشعبية الأردني، مع أنّ الحكومة الجديدة ردّدت في كل خــطـــاباتها شعار «الشفافية»، لكنّ محافظ العاصمة مارس الشفافية على طريقته الخاصة!

أقيمت الاحتفالية في مقر الحزب، عوضاً عن أن تكون في ساحة عامة، وجرى الاحتفال، بينما كان في الخارج أشخاص تم جلبهم من مناطق بعيدة، يهددون باقتحام مقر الحزب وتعطيل المهرجان، بذريعة أنّ أبو علي مصطفى مسؤول ومشارك في «أحداث أيلول»، وصدرت عن هؤلاء المعترضين تصريحات تنتسب إلى أزمنة «البلطجة» وتعميق الشروخات الوطنية، وراح بعضهم يدعو للشهيد بعدم الرحمة، كأنّ الرحمة مزاج شخصي يقترحه البشر على السماء!

جرح السبعين ليس غائراً، بدلالة أنّ الصفة الغالبة على جميع الأردنيين على اختلاف مساقط رؤوسهم، هي التآخي والتلاحم والمحبة والمصاهرة من دون أي إحالات إلى ما جرى في 1970، فقد جف الدم، وأعمرت الديار، وانطوت صفحة ذلك التاريخ المؤلم، واتحد «المهاجرون والأنصار» في نسيج وطني واحد إذا انفرط فيه خيط تهدّم النسيج بأكمله وتمزّق، لكنّ أبواق الفتنة لا تدرك حكمة التاريخ التي ستنتصر في دولة مدنية لكل أبنائها، وتكون نهاية أيلول، كما قال محمود درويش، سبباً يؤسس لما يستحق الحياة.

* كاتب وأكاديمي أردني