المتحدثون باسم الدّين... وهيبة الأوهام

مسفر بن علي القحطاني |

يُعتبر الدين بالنسبة إلى الفرد في عالمنا اليوم من أعظم القضايا أهمية، وأكثرها قدسية، وحتى المجتمع يتمحور حول الدين وينشدّ نحوه في شكل وثيق، فلا يخرج عن فلكه في غالبية احتياجاته الروحية والعبادية، هذه الطبيعة الدينية المسلّمة لدى غالبية سكان الأرض، يعتريها أمر بالغ الخطورة، وهو تداخل الدين بالتدين، والمقدس بالنفعي، أو في صورة أدق، التباس الدين بالمتحدثين باسمه، ولعلي أستعير مصطلح «التماهي» بكل دلالته النفسية التي تجعل الفرد والدين يتماثلان باختلاط متمازج، فيتداخل المقدس العلوي بالعناصر البشرية، ليصبح الرمز الديني مقدساً مع الزمن في صورة مقنعة وحيثيات مقبولة.


هذه الإشكالية هي التي أفسدت الدين والمجتمع، وأشعلت الحروب والثورات في عدد من الحضارات على مرّ التاريخ، ويمكن أن أوضح هذه الفكرة وتداعياتها الخطيرة على الدين والفرد والمجتمع من خلال المسائل الآتية:

أولاً: إن من الغرابة والدهشة أن يحصل تفاعل بين الدين والاجتماع البشري، الى درجة أن يذوب الدين والمقدّس في التطور الاجتماعي البشري الذي تمليه حاجات الناس المصلحية ونزق بعض الأفراد في العلو والبحث عن السلطة، لكن هذه الغرابة تزول بالواقع الذي تحقق حدوثه في كل الأديان السماوية والأرضية، حدث هذا الانقلاب الديني خلال عمليات متدرجة عدة في العقل والواقع، واستمرت عملية التفاعل بين الدين والمتحدثين باسمه تأخذ دوائر أوسع كلما هيمنوا على العقول الجاهلة وتحالفت معهم السلطات السياسية، فأول تلك الإجراءات الانتقالية بين المقدس والرمز بدأ عندما ظهرت الحاجة الى جمع النص الديني وكتابته، وجاءت بعده الخطوات الأكثر حسماً في التماهي، عندما ظهرت الحاجة الى تفسيرات النص وإسقاطه على واقع المجتمع ومنافع الجماعة، ولنضرب على ذلك أمثلة في أهم الديانات السماوية الثلاث وبإيجاز يقتضيه المقام، فاليهودية ظلّت في تفاعل حقيقي بين الوحي المقدس وحاجات المجتمع العبري الذي أملت ظروفه التاريخية والسلطوية أن يعيد ويهيئ النصوص المقدسة لمقتضياته المتطورة، فحجم البنية الكلية للنص المقدس بدأ يتضاعف من جيل إلى جيل، فعصر التدوين استمر ينتج مقدسه ما بين القرن الخامس قبل الميلاد حتى الخامس الميلادي، من الوصايا العشر وألواح موسى عليه السلام، التي تمثل التدوين البسيط، إلى أعمال الأنبياء الأوائل، إيلياء وعاموس وأشيعا وميخا، ثم أعمال أنبياء المرحلة التالية: ناحوم وحبقوق وصفنيا وإرميا، إلى الإعلان المفاجئ من الكهنة عن اكتشاف وثائق ناموسية ترجع الى عهد موسى، وهي: سفر التثنية، وذلك بغرض تثبيت الشريعة اليهودية في بيئة سياسية جديدة، ثم جاءت مرحلة الحقبة البابلية، ثم حقبة العودة من السبي، التي شهدت تكريس اليهودية المعروفة كدين طقوسي خاص بشعب إسرائيل. خلال تلك الفترة الطويلة، تبلورت النصوص المقدسة في نوعين: التوراة بأسفارها الخمسة الموسوية المتزايدة عبر الزمن، والتلمود الذي جمع شروح الكهنة والكتبة وإضافاتهم، غالبية تلك النصوص المتحوّلة سياسياً واجتماعياً كانت تلبي مفهوم الدين كنظام اجتماعي يتعلق بحاجات شعب معين أكثر مما هو إحساس روحي ينبع من الذات الفردية، بخلاف المسيحية التي تطور فيها النص المقدس خاضعاً لظروف العلاقات اليهودية والرومانية، فمن بداية اعتبار المسيح عليه السلام أحد أنبياء الفترة اليهودية التي كان فيها بشراً نبياً، حتى جاء بولس الذي جعل من المسيحية الديانة المستقلة، بالتخلي عن الشريعة (القانون) نحو جوهر الدين والروحانية الذاتية، وكان هذا التحوّل لأجل كسب أنصار جدد من الوثنيين بدلاً من اليهود الأكثر تعقيداً وغروراً، بتأسيس أهم عقيدة مسيحية تتجلى في فكرة التجسّد الإلهي في شخص المسيح، وشيئاً فشيئاً ظهر العامل البشري والاجتماعي في المسيحية من خلال أمرين رئيسين: أحدهما، ظهور الكنيسة وتحويل الرب من السماء إلى الأرض، وحدث ذلك في القرن الثاني الميلادي، فأصبحت إدارة الدين والعلاقة بالرب تخضع للرهبان والقساوسة ذوي السلطة الدينية اللا محدودة، والأمر الآخر دخول روما في المسيحية في القرن الرابع الميلادي، وهنا بدأت صياغة جديدة للمسيحية متأثرة بالتعاليم الرومانية، أنتجت هذه المرحلة كتباً بعد وفاة المسيح بأربعة قرون، تم فيها اعتماد الأناجيل الأربعة وتأسيس العهد الجديد، وذلك سنة 393م في مجلس كنيسة بنزرت.(انظر: كتاب الدين والتدين لعبدالجواد ياسين، طبعة دار التنوير 2012م، ص 11-21). إن العرض الموجز السابق للتحولات اليهودية والمسيحية، يظهر بقوة أثر العامل البشري في تطويع الدين وفق احتياجات جماعة دينية كما في اليهودية، أو لمصلحة سلطة سياسية ودينية كما في المسيحية، هذه المؤثرات أفقدت هيبة المقدس الذي تعرض للتبديل والتغيير والتحريف والتناقض في شكل أنتج شرائع وفرقاً دينية، كل ملّة تلعن أختها، ومع ذلك لا يزال حضور المقدس الديني يتنامى في الأمم والشعوب على رغم كل الصناعة الرديئة التي قامت بإنتاجها وتسويقها الأديرة والكنائس، هذا الحضور للدين في الأنفس والمجتمعات سيبقى ما بقي الإنسان، لأن احتياجه الروحي قابع في فطرته لا يزول، فهو محتاج للدين ولا ينفك هذا الاحتياج عن رموز الدين الذين تلبّسوا به حتى أصبح جزءاً منهم لا ينفك بحال من الأحوال، ومن ثمّ كانت فكرة السيطرة على العقول (الكهنوت) بحيث لا تفكر، وعلى التحالف الوطيد مع السلطة بحيث لا يتبدل، قضية جوهرية في الصناعة الدينية والمكاسب الناتجة منها، وما أن تأتي ساعة الإفاقة للعقل البشري إلا وتظهر أمامه تلك البشاعات التي جعلت من الدين أمراً مكروهاً وبغيضاً للإنسان المفكر والمتحرر. تكفي قراءة كتاب روسو «دين الفطرة» على سبيل المثال، لنعلم حجم المغالطات والمخالفات التي يحفل بها الدين في أوروبا وحاجة المتدين الى نقاء الدين من ملوثات المتحدثين باسمه!

ثانياً: هل خضع الإسلام لتلك التحولات المريبة في بنيته النصية كما حصل في اليهودية والمسيحية؟ الجواب البديهي يقتضي النفي التام، لأن النص الديني من نزوله كان محفوظاً في الصدور ومقروءاً كل يوم بين الناس، يتدارسه الصغير والكبير، وحتى جَمْع المصحف وتداوله مكتوباً لم يُحدثا أي اعتراض بين الصحابة، وهذا ما جعل القرآن ثابتاً وخالداً من دون أي تحريف أو تغيير، مصداقاً لقول الله تعالى: «إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» [الحجر 9]، لكن هل سلم النص الديني من تفسيرات وتأويلات أدت الى تغيير معناه أو تأطير فهمه وفق مصالح ورغبات بعض من يتحدث باسم الدين؟ الجواب هنا بالإثبات، وقد حصل هذا لمن تتبع تاريخ نشأة المذاهب والفرق الإسلامية، ونموها وفق آليات تأويلية متنوعة، منها على سبيل المثال: ادّعاء بقاء واستمرار النص المقدس حتى بعد توقف الوحي، وهذا حصل مع الشيعة في عصمتهم لأئمتهم من آل البيت، وأن المقدس باقٍ في آرائهم وأحوالهم، متخذاً طابعاً سياسياً واجتماعياً يحفظ للطائفة خصوصياتها وتميزاتها عبر الزمن. كما ظهرت صورة أخرى مغايرة، برزت مع الخوارج في العهد الأول للإسلام، محتكرين فهماً مغالياً للدين بالدفاع عنه بالقوة والاصطفاف دونه، ولو بقتل كل مخالف لهم، وهذا الاحتكار المتطرف لفهم النص الديني لا يزال يظهر ويخبو، لكنه لم ينقطع حتى اليوم. ولم يقف الأمر عند من توسع بإفراط في التعامل مع النص والوحي المقدس ولا من اختزله بتطرف مغالٍ، بل ظهرت هناك تأويلات في التراث الفقهي تحاول سحب المقدس من النص والوحي إلى دوائر التمذهب والتعصب الفقهي والعقدي، وحصلت في ذلك مخالفات كثيرة، ذكرها الغزالي في كتابه: فضائح الباطنية، وابن الجوزي في كتابه: تلبيس إبليس، وابن حزم في كتابه: الفِصَل في الملل والأهواء والنحل، وغيرها كثير، هذا الخلط بين القدسي والبشري، قد حذّر منه القرآن، كما في قوله تعالى:»أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ» [الشورى 21] وقوله تعالى:»اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» [التوبه 31]، وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (رواه البخاري في صحيحه 3261)، وغيرها من النصوص التي فرقت بين المقدس وشخص النبي المبلِّغ بالوحي، ومن باب أولى، غيره من البشر، وحاولت جهود عدد من الصحابة والتابعين أن ترسم حدوداً منهجية بين البشري في شخصه الكريم، وبين المقدس الذي ينقله من الوحي المقدس، وكان أبلغ مثال على ذلك الفصل، موقف أبي بكر بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، فعلى رغم كل التأثير النفسي والعاطفي عليهم إلا أن فقههم الدقيق وإيمانهم العميق لم يوقعاهم في فخ استغلال سلطة الرسول الدينية بعد وفاته والاتجار بها على العقول والواقع.

ثالثاً: المتحدثون باسم الدين ليسوا هم العلماء فحسب، بل زادت القائمة أنواعاً كثيرة، فهناك المفتون والخطباء والدعاة والوعاظ وأساتذة الشريعة وشيوخ الطرق الصوفية والقراء ومفسرو الأحلام والمعالجون بالرقية واللجان الشرعية وغيرهم، وهذا التعدد النوعي نافع للدين والمجتمع إذا كان في مقام التعليم والبلاغ، لكن التوجس منهم يقع عندما يلجون باب المتاجرة بالدين والتمدد الشبكي بصفته القدسية في الحصول على مغانم مادية لا تتهيأ إلا به. وأعظم مؤثر يحقق لهم هذا التأثير في أوساط المجتمعات، تمتّعهم بالكاريزما الدينية على حد تعبير ماكس فيبر في تنوع السلطات، حيث عرّفها بأنها:» السلطة التي تقوم على أساس صفات استثنائية ينفرد بها شخص بعينه (كاريزما)، وهذه الصفات الخارقة تضمن له ثقة أتباعه وطاعتهم المطلقة» (النص منقول من كتاب: علماء الإسلام لمحمد نبيل ملين، طبعة الشبكة العربية 2011م، ص 19)، فالسلطة الكاريزمية للمتحدث باسم الدين غالباً ما تتحقق في بلاغته، أو مقدرته على تحقيق الخلاص للفرد العاصي، أو المعرفة الغيبية والمستقبلية، أو من خلال المعالجة لكل ما يصيب الإنسان في بدنه ونفسه، وهذه المجالات قد صعدت بأفراد نحو القمة الجماهيرية والتأثير الشعبوي من خلال تلك الكاريزما في شكل لافت في حقل الظواهر الاجتماعية، ولا يقف الأمر عند أثر الشخصية الكاريزمية فحسب، بل تظهر هناك لحظة تعاقب تضمن فيها تلك الشخصية استمرار وثابت خلافتها لمن بعدها، إما على شكل عائلة تضمن تلك المميزات بالبقاء عبر عدد من الأجيال، أو من خلال جماعة تنظيمية تطوّع أفرادها لخلافة الكاريزما، وغالباً ما تنتهي إلى صراعات على النفوذ والمغانم الدينية.(انظر: علم الاجتماع الديني، لاكوافيفا وباتشي، دار كلمة 2011م، ص 37 - 41).

رابعاً: يظهر قاسم مشترك بين المتحدثون باسم الدين عندما يتاجرون بالأوهام المقدسة، أنهم يأنفون من النقد ولا يحتفون بالمساءلة ويبغضون من يمارسها ضدهم، ويتربى الأتباع على عدم نقد تلك الشخصيات على رغم بشريتهم وممارستهم الاجتهاد، ومن يتجرأ عليه يقع في دائرة المساس بالمقدس الديني، ليس تصريحاً ولكن يحدث ذلك عملياً، من خلال أمور عدة تنساب الى العقل الجمعي، فتشكّل قواعد ذهنية لا تقبل النقاش، منها: تلك التسميات الدينية البالغة في علو المقام، الى درجة يصعب أن يواجهها الفرد بالنقد أو الردّ، مثل استخدام ابن القيم مصطلح «الموقعين عن رب العالمين» في كتابه الشهير، أو مصطلح «ظل الله في الأرض» أو» خليفة الله في أرضه» حيث أطلقها التحالف الديني السياسي حماية لمقام الفريقين وتشريع سلطتهم المطلقة على الناس. (انظر: كتاب خليفة الله. السلطة الدينية في العصور الإسلامية، لكرون وهيندز، دار جسور 2017م، ص16-31)، ومنها كذلك: تحصين آرائهم بضمّها الى مقام الاعتقاد وليس للفقه القابل للاختلاف، وهذا يظهر من خلال منح صفات الولاية والإمامة وتجميلها بالكرامات الخرافية، وأحياناً تأتي من خلال الذود عن العقيدة الصافية بأن هؤلاء المشايخ لا ينتقدهم إلا من في قلبه هوى أو زيغ، وأن لحومهم مسمومة، حتى لو وقعوا في أعظم المخالفات الدينية، كما تظهر تلك النرجسية المقدسة بقدرتها الفائقة على التفسيق والتبديع، وأحياناً تكفير من يخالفهم، زعماً أنهم من الفرق الاثنتين والسبعين التي ستدخل النار لمخالفتها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا الحديث على رغم وجود جدل كبير في ثبوته، إلا أنه استُغل في إثبات طهورية من يقوم بتصنيف الآخرين والحكم عليهم بالجنوح عن الدين.

وختاماً... يظهر في السياق التاريخي أن باعة الأوهام المقدسة الذين يتاجرون بالدين ليسوا في زمن معين أو دين محدد، بل وجودهم مع وجود الدين في غالبية الأزمنة والأمكنة، والدين الصحيح محفوظ بنصوصه المقدسة، وهيبته لا تأتي من خارجه بل من مضامينه وقيمه، وكما أن هناك متاجرين متسلقين على الدين، فهناك أيضاً الصادقون المصلحون حُماة الدين من مدعيه والمتطفلين عليه، وميدان هذا الصراع الديني ينتج في الغالب مشاريع التجديد والإصلاح. كما أن المسلم المعاصر مع تنامي وعيه بدعاة الأوهام المقدسة، عليه أن ينطلق من مفاهيم الدين الصحيحة ويؤسس عليها فكره وتدينه، فالغضب وردة الفعل ممن استغله وتاجر بعواطفه لا ينبغي أن تجره تلك العواطف الحانقة نحو ساحات دجل أخرى، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.