«يمن» وجدي الأهدل أرض الظلم والقسوة

كاتيا الطويل |

«في هذه البلاد، إمّا أن تنحني للظلم فتأكل ملء الفم، وإمّا أن تحمل القلم وتتحمّل الألم. دربان متناقضان، وأنا اخترتُ الدرب الأوّل، الدرب الأسهل».(صفحة 257). صحافة هابطة، نظام فاسد، مجتمع جاهل، فتيات منتهكات الأعراض، رشاوىي، محسوبيّات، زواج قاصرات، بيع فتيات صغيرات، اغتصاب، قسوة، تعنّت، عنف، رجعيّة، وحشيّة، وغيرها الكثير من القضايا الشائكة يطرحها الكاتب اليمنيّ وجدي الأهدل في روايته الحديثة «أرض المؤامرات السعيدة» (هاشيت أنطوان، 2018). فمن بعد أن زاول الكتابة الصحافيّة وكتابة القصص، يعود الأهدل إلى عالم الرواية مقدّمًا روايةً واقعيّة تضرب عرض الحائط عددًا من الآفات الاجتماعيّة كالصحافة المنافقة وظروف المجتمعات الريفيّة المحرومة الرجعيّة التي تقهر المرأة وتقمعها وتسيء إليها. وليس غريبًا على وجدي الأهدل التطرّق إلى موضوعات شائكة تشكّل تابوهًا في اليمن ومعظم الدول العربيّة، هو الذي تحمّل في ما سبق العواقب القاسية لكتاباته الجريئة وغادر اليمن سنوات تحت كمّ هائل من التهديدات والهجمات السياسيّة والاجتماعيّة.


وعلى رغم أنّ أحداث رواية الأهدل تدور في اليمن، في محافظة الحُديدة الساحليّة بالتحديد، إلاّ أنّ شخصيّاتها وظروفها وأحداثها تنطبق على مدن عربيّة وعلى عدد غير قليل من المجتمعات. ففي غياهب مجتمع مادّي قائم على السلطة الفاسدة والمنحلّة، تمكّن الأهدل من تسليط الضوء على قضايا اجتماعيّة أخلاقيّة متعدّدة ومتشعّبة، فطرق موضوع الصحافيّ المتملّق الانتهازيّ، وقضيّة زواج القاصرات، وقضيّة اغتصاب الفتيات وشرائهنّ واستعبادهنّ مقابل مبالغ بسيطة تُعطى لذويهنّ. فقدّم الأهدل إلى قارئه منذ بداية النصّ ومنذ صفحة الغلاف والعنوان فضاء روائيًّا ريفيًّا قامعًا جاهلاً وحبكة سرديّة تدور في إطار صدئ من الضعف والفقر والحرمان والخضوع.

النساء المستضعفات

أطلق اليونانيّون والرومان على اليمن في الزمن الغابر اسم بلاد العرب السعيدة، وتمكّن وجدي الأهدل من استلال عنوان روايته من هذه التسمية في شكل ساخر محنّك، فسمّى روايته أرض المؤامرات السعيدة، نظرًا إلى الفساد المستشري فيها وإلى المكائد والمؤامرات التي تُنسج في السرّ وعلى صعيد السلطات السياسيّة والدينيّة والثقافيّة. فعوضًا من أن تكون اليمن أرض السعادة والازدهار، باتت وكر صحافيّين انتهازيّين، ورجال سياسية فاسدين، ورجال دين جشعين.

وتضفي صفحة الغلاف على اللعبة الروائيّة المتقنة وعلى القضايا المُعالجة المزيد من التماسك، فصفحة الغلاف تصوّر امرأة تبدو من أزيائها ولون بشرتها أنّها عربيّة، امرأة جالسة بهدوء ورزانة على ما يكاد يكون مجموعة قصبات ضعيفة هزيلة هشّة في بحر واسع لا آخر له. وتعكس هذه الصورة حال المرأة العربيّة التي لا حول لها ولا قوّة في مجتمع ذكوريّ يحيط بها من مختلف الجهات ويهدّد بإغراقها في وحوله الظالمة القاسية المضطهِدة في أيّة لحظة.

والبارز في رواية الأهدل رفعه قضيّة زواج القاصرات الشائع في اليمن، وهو أمر غير مقبول به إنسانيًّا وتحاربه جمعيّات حقوق الإنسان بكلّ ما تملكه من قدرات وموارد. وتُظهر دراسة لمركز الرصد والحماية في منظّمة سياج للطفولة، أنّ ما لا يقلّ عن 60 في المئة من الفتيات اليمنيّات يتزوجن قبل بلوغ الثامنة عشرة من عمرهنّ، في حين تتزوج أخريات بنسبة تراوح 52 في المئة قبل سنّ الـ15.

وتشكّل هذه المسألة معضلة بارزة وبخاصّة في المجتمعات الريفيّة التي يسعى أهلها إلى تزويج فتياتهم ما إن يبلغن. هذا عدا عن حالات الاغتصاب الشائعة التي تؤول إلى زواج المغتصِب من الفتاة في محاولة لطمس العار ومحو الإثم. فتُعاقب الفتاة عقابًا مزدوجًا: أوّلاً بتعرّضها للاغتصاب وهو صدمة نفسيّة وجسديّة وفكريّة قاسية وحشيّة، وثانيًا باضطرارها إلى التزوّج من الرجل الذي اغتصبها لتتحوّل إلى مجرّد خادمة له ومتعة جنسيّة لا حياة لها ولا أفكار ولا وجود.

انحطاط صحافيّ

تشكّل رواية «أرض المؤامرات السعيدة» يوميّات الصحافيّ اليمنيّ الثلاثينيّ مُطهّر فضل. وتقوم الرواية على 64 فصلاً، كلّ فصل منها مخصّص ليوم. فيرافق القارئ مُطهّر مدّة 64 يومًا في مغامرة تحمله من صنعاء إلى محافظة الحُديدة الساحليّة. ويظهر مُطهّر في بداية النصّ الروائيّ صحافيًّا برجوازيًّا مثقّفًا يقرأ الأدب العالمي،ّ ورجلاً متزوّجًا من امرأة يحبّها ويحترمها ويعاملها بما يليق بمقامها كامرأة وزوجة وأمّ. ثمّ يتطوّر السرد ويتكشّف مُطهّر ابن المناضل اليساريّ والكاتب العريق الأبيّ، يتكشّف صحافيًّا منافقًا انتهازيًّا يلفّق الأخبار والمعلومات والتقارير والمقابلات لمصلحة السلطات العليا، لا يقترب من اسمه «مُطهّر» من قريب ولا من بعيد.

ويبدو مطهّر في وصف حلزونيّ يروح يكشف طبقات شخصيّته طبقة طبقة، شابًّا منافقًا عانى الفقر والحرمان في طفولته نتيجة مسيرة والده اليساريّة النضاليّة الشائكة فقرّر الانتقام من الحياة والمجتمع والقدر بأن أصبح أداة بثّ الأكاذيب والتلفيقات، يعمل لمصلحة الدولة الظالمة مقابل حياة رغيدة مرفّهة تؤمّنها له.

ويعكس التطوّر النفسيّ لمطهّر تطوّرًا إنسانيًّا طبيعيًّا منطقيًّا يبرّر تصرّفاته، فهو ناقم على والده البطل اليساريّ الشعبيّ الذي ركّز طيلة حياته على الدفاع عن القضايا المحقّة في مواجهة سلطة مستبدّة سجنته ورمت عائلته في مستنقعات الفقر والحرمان. فأتت تصرّفاته الدنيئة وقلّة نزاهته ردّ فعل على مسيرة والده البيضاء المثاليّة التي أجبرته على أن ينشأ فقيرًا يبحث في القمامة عن قوت يومه.

ويتمكّن وجدي الأهدل من رسم معالم شخصيّة مُطهّر في شكل جيّد فلا يحكم على شخصيّته ولا يعيّرها بل يتمكّن بوصفه الهادئ السلس من استدرار شفقة القارئ عليها وعلى بؤس حالها وعلى المصائب التي توقع نفسها فيها. ففي مجتمعات كالمجتمع اليمنيّ ما إن تزلّ قدم المرء إلى وحول الفساد، يصبح الخروج من هذا المستنقع أمرًا مستحيلاً: «كنتُ أظنّ أنّني شخص في قمّة السعادة، وأنّني حقّقت النجاح في الحياة، وانتصرتُ على عقدة الجوع والفقر... ولكنّني أعلم الآن أنّي لم أكن منتصرًا ولا ناجحًا ولا سعيدًا. إنّني شخص مهزوم، وهي هزيمة لم أشعر بها، وهي قاسية لأنّها لم تخطر ببالي قطّ». (صفحة 259). «أرض المؤامرات السعيدة» رواية متماسكة السبك ذات فضاء روائيّ يعجّ بالتفاصيل الإنسانيّة والقضايا الاجتماعيّة الفائقة الأهمّيّة. وتبدو رغبة وجدي الأهدل في تسليط الضوء على قضايا المرأة وأزمة زواج القاصرات واضحة عبر توقّفه عند حالة الفتيات المأساويّة والقهر الذي يتعرّضن له عبر تقديمه نماذج مختلفة عن فتيات متعدّدات تنتهي قصصهنّ جميعهنّ في شكل مأساويّ. إنّما لا بدّ من الإشارة إلى مأخذ قد يؤخذ على الكاتب وهو أنّه قدّم المعنى على المبنى، فجاءت لغة الرواية لغة موغلة في البساطة والعاديّة من دون صنعة أدبيّة أو اهتمام بجماليّة تركيب الجمل.

«أرض المؤامرات السعيدة» مجهود جميل للروائيّ وجدي الأهدل يذكّر بمدى الحاجة إلى هذا النوع من الروايات الأدبيّة ذات الطابع الواقعيّ التي تعيد إلى القارئ شعوره بإنسانيّته وترفع درجة وعيه إلى قسوة المجتمع على أفراده في حالات كثيرة.