«حي على بلدنا» يمسرح شعر فؤاد حداد بصرياً

من العرض (alarab.co.uk)
القاهرة - عبدالكريم الحجراوي |

يواصل المخرج المصري أحمد إسماعيل سعيه إلى تقديم مسرح لا ينكر أثر المسرح الغربي، بل يستفيد منه، لكن من دون سعي إلى بلوغ ثرائه التقني، أو الشعور بالدونية حياله. ويتجلى ذلك في مسرحية «حي على بلدنا» التي تُعرَض حالياً على خشبة المسرح القومي في القاهرة من إعداد أمين حداد.


درَسَ أحمد إسماعيل في فرنسا؛ لكن إيمانه بضرورة الوصول إلى البسطاء من الناس، دفعه إلى الانحياز إلى المسرح الشعبي، غير المكلف، مسرح يتعاون فيه الجمهور، ويشارك فيه، فأسّس تجربته الفريدة في قريته «شبرا باخوم» في شمال مصر والتي تقوم على عروض تزخر بالحكايات والأغاني والنوادر الشعبية، منها «ليالي الحصاد» لمحمود دياب، و «الشاطر حسن» لفؤاد حداد ومتولي عبداللطيف.

ومنذ العام 1982 عكف إسماعيل على مسرحة شعر فؤاد حداد وهو بالعامية المصرية عبر 17 مسرحية؛ منها «الحمل الفلسطيني»، و «أبناء بلد واحدة»، و«نور الأدان». وجرى إعداد مسرحية «حي على بلدنا»، من سبعة دواوين لفؤاد حداد. ويلاحظ أن النصوص التي يقدمها إسماعيل على خشبة المسرح ليس لها شكل سردي يتكون من بداية ووسط ونهاية كما في المسرح الكلاسيكي الأرسطي، وإنما هي عبارة عن وحدات سردية منفصلة. ويرجع ذلك إلى مادة العرض، هي قصائد حداد التي لم يكن يفكر وهو يكتبها في أن تتحول إلى عمل يقدم على خشبة المسرح. وكذلك ليست هناك حبكة درامية، فلكل نص موضوعه الخاص، ما يحيلنا - في صورة شكلية على الأقل - على المسرح الملحمي، الذي اعتمد بريخت فيه على اللوحات، التي تشكل كل منها مشهداً منفصلاً، لكنها في النهاية ترسم صورة كلية للقضية المطروحة، وتشملها من جوانب عدة. ويظهر في الأداء ما يسميه بريخت «كسر الإيهام» وله تقنيات عدة؛ منها أن الممثلين لا يمثلون، وإنما يتعايشون من شعر فؤاد حداد الذي يلقونه على خشبة المسرح، ومنها أيضاً حديث الممثلين مع الجمهور. والشخصية في مسرحية «حي على بلدنا» وإن تعدد المؤدون لها (أشرف عبدالغفور ومفيد عاشور وعهدي صادق ورحاب رسمي)، واحدة؛ ألا وهي شخصية الشاعر، وذلك بخلاف المغنيين محمد عزت، ونهال خالد، والأطفال (أحمد- هنا- إسماعيل- فرح) بأغانيهم التي أضفت بهجة كبيرة على العرض الذي تصل مدته إلى 70 دقيقة. وسبق تقديم العرض نفسه قبل 20 عاماً على الخشبة نفسها، بمشاركة محمود حميدة ويوسف إسماعيل، ثم أجريت عليه تعديلات بالإضافة والحذف، تبعاً لما يجري من أحداث على أرض الواقع، لكن ظلت قضية حب الوطن والدفاع عنه محورية. تلك القضية التي بلغت ذروتها إبان ثورة 1919 وانتقلت إلى «تمصير الأدب» وفق ما نادى به أحمد لطفي السيد. واستجاب هذه الدعوة عدد من الكتاب الشباب وقتها، وعلى رأسهم محمد تيمور الذي كتب أربع مسرحيات في هذا الصدد، وكان يرى أن تكتب المسرحية بالعامية إذا كانت عصرية وبالفصحى في ما عدا ذلك. وكان لهذه الدعوة كبير الأثر في ظهور المسرح العامي وشعراء العامية أمثال بيرم التونسي، ونجيب سرور، وفؤاد حداد صاحب أول ديوان مكتوب بالعامية «أحرار وراء القضبان» عن المسجونين السياسيين. كانت دعوة «مصر للمصريين» موجهة وقتها ضد الإنكليز، وضد حكم أسرة محمد علي باعتبارها «أجنبية». وفي العرض تظهر قصيدة تسخر من السلطان العثماني الجالس في إسطنبول وتظهره في صورة «أحمق». وهناك القصائد المتأملة في عصر أفضل بعد حركة 1952، وتشيد خصوصاً بالتكنولوجيا التي بنت السد العالي.

وعن المشاكل التي تضر بالوطن وتؤخر تقدمه، تأتي قصيدة «حكاية الاستمارة»، وهي إحدى قصائد ديوان «المسحراتي»، وقصيدة «حكاية الموظف الكسول السيد أفندي». ومن الصعب حضور فؤاد حداد على خشبة المسرح من دون أن تظهر قضية فلسطين، فهو أحد أبرز الشعراء المصريين المدافعين عن تلك القضية، كما «الأرض بتتكلم عربي ومن حطين، رد على قدس فلسطين، أصلك مية وأصلك طين»، والتي سبق أن لحنها وغناها سيد مكاوي. ومنها ذلك النص الذي جاء في إلقائه على شكل موّال: «قدس يا نوارة السنين، كأن عيني في ميتمي، يا قدس ما يحتمل دمي، إلا أشوفك وأرتمي، وأبوس ترابك المريمي، ما أتوهش يا قدس في المطال، يا عاصرة مهجة الرجال، يا قدس يا سبحة الشقا، الأعمى في سجدتك رأى، والفجر من صخرتك سقى». وتلك القصيدة التي تفاعل معها الجمهور في شكل حماسي كبير في العرض: «ولا في قلبي ولا عنيا إلا فلسطين، وأنا العطشان ومليش ميه إلا فلسطين، ولا تشيل أرض رجليه، وتنقل خطوتي الجايه إلا فلسطين». كما أن النيل حاضر في الكثير من أشعار العرض، فهو علَم مصر الأبرز: «بلد حبيبي جنينه يجري فيها النيل... تحكي الجهاد في سبيل الزرع والميه». وفي العرض حكايات جاءت على لسان الحيوان، حيث وظّف معد العمل أمين حداد قصائد والده لتواكب قضايا حاضرة، وبخاصة النيل ومشاكل مصر مع دول المنبع، والقدس وما يثار حالياً عن «صفقة القرن». وحوى العرض الكثير من الأغاني المبهجة من تلحين كل من سيد مكاوي، وعبدالعظيم عويضه، وإبراهيم رجب، ووجيه عزيز، ومحمدعزت.

وعموماً يقدم العرض شكلاً جديداً من المسرح أو حالة تستحق الدراسة من جوانبها كافة؛ إعداداً وعرضاً وإخراجاً، مع مراعاة أن المكان الأنسب لمسرح أحمد إسماعيل هو الساحات المكشوفة، لا المسارح المغلقة.