وقفات مع كلمة أبو بكر البغدادي

أبو بكر البغدادي (يوتيوب)
مصطفى حمزة |

حملت كلمة أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي، التي بثها مساء ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، العديد من الوقفات والدلالات، أولها يتعلق بتوقيتها الذي يأتي بعد قرابة عام من آخر كلمة له، والتي كانت في أيلول (سبتمبر) 2017، ليرد بذلك على إشاعة وفاته أو مرضه الشديد، التي ترتبت عليها انقسامات بين عناصر التنظيم ومطالبات بإسقاط بيعته بسبب عجزه عن القيام بمهامه. واختار توقيت كلمته خلال أيام عيد الأضحى، للإسقاط على ما فعله والي الكوفة خالد بن عبدالله القسري، من التضحية بالجعد بن درهم، وذبحه بعد خطبة العيد بسبب قوله بخلق القرآن، ليطالب زعيم «داعش» بتقليد «خالد» والتضحية بالعلمانيين والملحدين في هذا العيد، وهو ما صرَّح به في نهاية كلمته.


الوقفة الثانية تتعلق بمدة الكلمة التي بلغت 54 دقيقة و39 ثانية، وهي أطول كلمة للبغدادي من بين 12 كلمة له، وربما قصد بذلك إظهار قوته وقدرته على الحديث لوقت طويل، ليدلل على أن صحته جيدة.

الوقفة الثالثة: حملت الكلمة عنوان «وبشر الصابرين» لتثبيت عناصر التنظيم مع تراجعه على الأرض، وهو ما ظهر في نهاية خطاب البغدادي لعناصره بقوله: «فإن مع الضيق فرجاً ومخرجاً ولن يغلب عسر يسرين»، و» نبشركم بأن الدولة بخير حال»، مع أن التنظيم يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وحاول زعيم «داعش» تثبيت أنصاره على ما هم عليه من القتل والدماء، بتشبيه هزيمة تنظيمه بهزيمة الصحابة في غزوة «أُحُد» حتى تتمايز الصفوف بعد أن دخل معهم منافقون كثيرون عقب الانتصارات التي حققوها في غزوة بدر، كأن الله ينزل بالتنظيم ابتلاءاته وهزائمه لتنقية صفوفه.

وأوهم «البغدادي» أنصاره بأن الله إذا أراد أن ينصر عبده كسره أولًا، ليكون النصر على مقدار الذل والانكسار الذي يتعرض له العبد، وأن تسلط الأعداء سبب لنيل الشهادة، مستدلاً بآيات قرآنية تخص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

الوقفة الرابعة: عكست كلمة «البغدادي» الطائفية التي يتغذى عليها تنظيمه وينمو في بيئتها، إذ وصف أميركا بـ»حامية الصليب»، والنظام السوري بالنصيري، والحكومة العراقية بالرافضية الصفوية، وصوَّر الدول المتحالفة لمحاربة «داعش» بأنهم يمارسون حرب إبادة شاملة لأهل السنة، وذلك لأن التنظيم يدعو الى حرب صليبية وطائفية يكون مكانها مرج دابق شمال حلب السورية.

الوقفة الخامسة: استخدم «البغدادي» مفردات شيخه وأستاذه سيد قطب بوصف مجتمعات الأرض بالجاهلية، وهو ما يعكس تقسيمه العالم إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا كفر فيه وهم الذين بايعوا «البغدادي»، وفسطاط كفر لا إيمان فيه ويمثله كل مجتمعات الأرض التي لم تبايعه، مع ما يترتب على ذلك من معاداة هذه المجتمعات والسعي الى قتلها وقتالها بحجة الجهاد المزعوم.

الوقفة السادسة: عكست الكلمة هزيمة التنظيم وتراجعه ومحاولات أميره رفع معنويات أتباعه، بأن ما يمر به «داعش» من فقد أراضيه ما هو إلا ابتلاء واختبار من الله ثمنه الجنة – على حد توهمه - ليشجع أنصاره على الاستمرار في القتال وبذل المزيد من الأنفس، معززاً ذلك بأن فقد الأرض لا يعني نهاية المعركة.

الوقفة السابعة: أظهر «البغدادي» الندية بين تنظيمه والولايات المتحدة الأميركية بهجومه على أميركا وزعمه بأن تراجعها وانكسار هيبتها في عين حلفائها سببهما ضربات التنظيم، وأن عناصره أفشلت ما كانت تحلم به أميركا من السيطرة وبسط النفوذ! زاعماً أن أميركا تعيش أسوأ مرحلة تمر بها في تاريخها المعاصر، وأنها في طريقها إلى الزوال.

الوقفة الثامنة: طَعْنُ زعيم «داعش» في الفصائل الأخرى ووصفها بالمرتدة واتهامها بالتحالف مع نظام الأسد والدعوة إلى قتال عناصر تلك الفصائل، تؤكد نظرية «الجهاد ضد الجهاد»، وأقصد بها الجهاد المزعوم ضد الجهاد المزعوم أيضاً، والتي أدت إلى تشظّي التنظيمات الإرهابية التي تُسمى زوراً بالجهادية، وانقسامها على نفسها.

الوقفة التاسعة: كلمة «البغدادي» جددت الدعوة الى نظرية التوحش والفوضى التي يقوم عليها التنظيم بدعوته أهالي سورية الى فتح العديد من جبهات القتال لاستعادة المناطق المحررة من تنظيم «داعش»، ودعوة أهل الأردن الى الثورة على حاكمهم، زاعماً بأن صلاح الحال لن يكون إلا بخلع من أسماهم بالطواغيت.

الوقفة العاشرة: استخدم زعيم «داعش» نظرية الإيهام التي أوهم من خلالها أنصاره بأن تنظيمه لا يزال متماسكاً وأن دولته المزعومة لا تزال باقية وتتمدد، وذلك بدعوته أهل السنة الى اللحاق بركب خلافته المزعومة في «العراق والشام واليمن وسيناء وخراسان وليبيا وغرب أفريقيا ووسطها والصومال وشرق آسيا والقوقاز ونجد والحجاز وتونس والجزائر وكشمير»، على الرغم من عدم وجوده في كثير من هذه الدول، وفقده قرابة 90 في المئة من أماكن سيطرته في المناطق التي كان موجوداً فيها.

الوقفة الحادية عشرة: يمكن أن تُسمى كلمة البغدادي بـ «خطاب الوداع» الذي ينعي فيه تنظيمه بسبب قوله: «ومن نافلة القول أن يعلم كل مجاهد في هذا الزمان أنه من غير ثبات طائفة الإيمان ومجابهتها آلة العدو الضخمة الهائلة حتى وإن أفضى ذلك الى اصطلامها، فلن تحيا هذه الأمة ولن تقوم للإسلام دولة، فلا بد من طليعة تضحي، وتكون القنطرة التي تعبر الأمة من خلالها إلى ميادين العزة والكرامة»، ولا أتوقع أن تكون للبغدادي كلمة أخرى بعــد هذا الكــلام.

* كاتب مصري