فلسطين... صفقة القرن وتصفية العصر

أحمد جابر |

صفقة القرن أو سرقة العصر، التسميتان صالحتان وتصلحان كعنوانين منفصلين لكل «دهر» من دهري القضية الفلسطينية.


صفقة القرن اسم ملائم لما يجري تداوله حول تفاهم طويل الأمد بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس الممسكة بقطاع غزّة، هذا إذا أخذ بالحسبان المدى الزمني الذي تجاوز القرن بقليل، أي المدى الفاصل بين وعد بلفور عام 1916، و «وعد» أميركا ومن يؤازرها في العام الحالي، 2018. أما سرقة العصر فهو الاسم الذي لا يبدو أنَّ ثمة مفردة لغوية تنافسه بعدما شاع وذاع العلم بحلول التصفية المقترحة أميركياً، وربما دولياً، لكل المسألة الفلسطينية، ووضع حد ختامي للصراع الذي كان عربياً صهيونياً، وعربياً استعمارياً، لينتهي المطاف بالفلسطينيين والعرب وقد هزموا، وبالمستوطنين الصهاينة ورعاتهم منذ النشأة حتى تاريخه، وقد ثبَّتوا نصالهم في قلب المنطقة العربية، فدانت لهم مهمة المخفر الأمامي المدافع عن عدوانه الذاتي أولاً، وعن عدوان داعميه وحماته الدوليين استطراداً.

بين الكفاح العربي والفلسطيني الذي كان سمة للعصر، صارت الشعوب العربية وفلسطين ضحية لاستبداد أسياد العصر. ربما بدا الكلام تاريخياً، أو من التاريخ، أي أن التقادم صفته، واللاجدوى استرجاعه، لكن النعوت تصير ضعيفة الإسناد عندما لا تقدم مشاريع حلول سياسية تتصل اتصالاً وثيقاً بأصل المسألة الفلسطينية، وتقترب من القفز الخيالي والتبريري من فوق الواقع الذي ما زال ممتداً كواقع ووقائع مادية ملموسة، وما كان ضعيف الإسناد وقليل الحيلة، يصير هو ذاته مسلكاً تصفوياً من قبل أهل القضية ذاتها، يساهم في عملية التصفية التي يقترحها ساسة الخارج الدولي والإقليمي والعربي، على ساسة الداخل الفلسطيني.

يتصل حديث التاريخ بحديث الحاضر اتصالاً ملموساً اليوم فوق أرض غزة، ويبدو جلياً منحى التصفية الذي ينحو إلى أن يجعل الشعب الفلسطيني في الداخل شعبين، والكيان المقترح منذ اتفاق أوسلو حتى تاريخه كيانين، مما يسهِّل على الاستهداف الخارجي الإطاحة بمطلب الدولة الفلسطينية المستقلة، بالتعاون والشراكة، مع حركة حماس الإسلامية التي ركبت مركب الكفاح المسلح حتى تمكنت من اقتطاع قطاع غزّة وتحكمت به، وباتت في حركة دائبة منذ مدة طويلة، للنزول من هذا المركب إلى برِّ أمان المعاهدات التي تعترف بها سلطة أمر واقع، على أمل أن تصير لاحقاً سلطة كل الواقع الفلسطيني.

ما تسعى إليه حركة حماس واضح الملامح، وسيكون معروف النتائج لاحقاً، وهذا مما لا تخفيه التسميات التحويرية، ولا يحجبه التضليل الإعلامي. إن عنوان هدنة طويلة الأمد لمدة سنوات عشر، أو أكثر أو أقل، هو الاسم الحقيقي لمسيرة إنهاء العداء مع دولة الاستيطان الإسرائيلي، وهو الإجراء التمهيدي للاعتراف الواقعي بهذه الدولة مهما قيل من كلام خطابي مخالف. في هذا المعرض تدرك حماس، ومن وراءها، أن الاعتراف بالقراءة الصهيونية لكيفية حلّ المسألة الفلسطينية، هو اعتراف بحكم حماس وبقراءتها ورؤيتها لما ستكون عليه أحوال أي «كيان» فلسطيني. ولأن السياسة ليست رجماً في الغيب، فإن بوادر كل قراءة لطرفي الصراع ملموسة ومعروفة. من جهة إسرائيل صار الجميع أمام مصادرة أراضٍ فلسطينية واسعة، واستيطان أكثف، وتشدد سياسي أعلى، ووجهة عنصرية اتخذت شكل الفصل الديني بعد أن صارت إسرائيل دولة يهودية.

من جهة حماس لا تخطئ العين القارئة أنها أمام حماس متشددة داخلياً في ملف المصالحة، ومتشددة مجتمعياً باسم «التدين والدين»، وأنها نابذة سياسياً، وأنها تقترب حثيثاً من إلغاء الآخر الفلسطيني المختلف بعد أن أمعنت في إقصائه. أما ما تقدم عليه حماس اليوم فليس جديداً، فلقد دخلت هذه الحركة إلى ميدان الكفاح الفلسطيني متأخرة، وأعطت دخولها منذ بدايته شكل المنافسة على القرار الفلسطيني في زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهي لم تكتم رغبتها في خلافته، وعليه، حاولت قطع مرور الزمن الكفاحي بعمليات انتحارية مدوِّية عادت بالوبال على المصالح الفلسطينية العليا عموماً، وبرصيد شعبوي قطفته حماس فقط، فوظفته لاحقاً في مسيرتها السلطوية. لقد استفادت «القوى» الجديدة، حماس ومن شابهها من «إسلاميين»، من الدعم الخارجي الذي أحسن التجارة فلسطينياً، ووجد في هذه القوى ضالته المنبرية التي يبحث عنها، هذا بكلام سياسي يعني أن حماس كبر حجمها بعد تضييق الخناق على الوطنية الفلسطينية من قبل إسرائيل، وبعد محاصرتها من قوى التدخل الخارجي، التركية والإيرانية والعربية، التي أرادت فلسطينية على قياسها، ليكون ممكناً تسويقها من جملة البضاعة التي تعرضها دولياً، وإقليمياً. هذا الظرف تبدل بعد أن بانت نتائج «الربيع العربي» الذي أراده من قام به ربيع تفتح ونضارة مجتمعية، فأخذه من أخذه من باعة دين ودنيا، فجعلوه موسماً للقتل والتخلف والاستبداد، لا يختلف عن مواسم البشاعة التي تمارسها سائر الأنظمة الاستبدادية.

على سبيل الخلاصة: لقد كان نهوض حماس الميداني نهوض تخلف سياسي ارتدَّ بالقضية الفلسطينية فقسَّمها وشرذم قواها، وتراجع حماس اليوم لا يخرج عن منحى الهبوط الذي هو سمة مسيرتها حتى وهي تقدم سيرها في صيغة منحنى صاعد.

لكن الخطير في الأمد الأبعد، وفي ركاب البحث عن هدنةٍ في غزة، هو أن دفع الثمن يتم من الرصيد الفلسطيني العام بينما تراكم حماس وأشباهها في رصيد أرباحها، ودائماً على حساب مسألة القرن، ومسألة العصر، مسألة ضياع الأرض والشخصية الفلسطينية المستقلة.

* كاتب لبناني