الكردي المهدور

مشرق عباس |

لا يمكن حصر منصب رئيس الجمهورية العراقية بشخص، وبالطبع لا يمكن قصره على حزب أو قومية معينة، فما تطالب به غالبية العراقيين يذهب إلى أن تكون المناصب خارج التصنيف الحزبي والطائفي والقومي، بل أن دعوات مهمة تتصاعد لاعتماد النظام الرئاسي أو في الأقل المختلط بما يضمن انتخاباً مباشراً للرئيس يمنحه صلاحيات استثنائية.


وبالتعامل مع واقع الحال، فإن على القوى السياسية الكردية ترشيح رئيس الجمهورية، وهذه القوى مختلفة اليوم حول طريقة الترشيح والأسماء المقترحة، فللمرة الأولى قد لا يقتصر الأمر على خيارات داخلية لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، أو حتى الصيغة المتقدمة في طريقة الاختيار لعام 2014 عندما فاز فؤاد معصوم بالترشح بأصوات كتلة التحالف الكردستاني مجتمعة وبفارق بسيط عن برهم صالح، وانما ثمة مصالح وضرورات عراقية تحتم قبولاً عراقياً عاماً للرئيس، وهو الشرط الذي بات مقترناً أيضاً بمنصبي رئيسي الحكومة والبرلمان.

إن الأحزاب العراقية باتت مجبرة في هذه المرحلة على التعاطي ولو شكلاً مع المطالب الشعبية العربية والكردية على حد سواء باختيار تشكيلة حكومية قوية ومتجانسة وفعالة وقادرة على تحقيق الامن والبناء وايضاً لا تمثل انعكاساً مباشراً لنظام المحاصصة الحزبية.

وبصرف النظر عن التقييم العام لفترة رئاسة فؤاد معصوم، فإن الرجل كان أعلن في لحظة توليه قضيتين، الأولى أنه لن يرشح لولاية جديدة، والأخرى أنه كان يرى أن برهم صالح هو الأحق بالمنصب. بالطبع هناك شخصيات كردية عديدة كفوءة ومقبولة، وبعض هذه الشخصيات طرحت أسماؤها للترشح أخيراً أيضاً، وربما تراجعت حظوظ برهم صالح بعد خلافاته المعلنة مع قيادات الاتحاد الوطني ومن ثم انشقاقه، في اثر غياب الزعيم التاريخي للحزب جلال طالباني، لكن صالح سوف يستمر باعتباره مرشحاً افضل وأكثر قبولاً بالنظر إلى متطلبات المرحلة واستحقاقات المنصب المهدورة.

ولا جديد في القول أن رئيس جمهورية العراق ليس مجرد مندوب لحزبه في بغداد، ولا حتى ممثلاً لقومية أو مذهب، كما انه ليس منصباً "تشريفياً" كما جرت الإشارة خلال السنوات الماضية، بل تقع على عاتق الرئيس أدوار كبيرة عليه أن يتصدى لها، أبرزها في المطلق مراقبة الخروقات الدستورية والإعلان عنها، والرئيس في هذه الحال يمثل صوت الدستور والراعي لتطبيقه، بالإضافة إلى حقه في تقديم مشروعات القوانين اسوة بمجلس الوزراء، وهو هنا يتقاسم مسؤوليات السلطة التنفيذية التي يعتبرها الدستور مكونة من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، ونزعم أن هذه الادوار لم يتم التصدي لها بفعالية، في التجارب السابقة، فالراحل طالباني مارس أدواراً أكبر من صلاحيات الرئيس الفعلية، فيما مارس معصوم أدواراً أقل من صلاحياته.

واذا كان العنوان الرئيس للمرحلة السابقة هو الحرب على "داعش" بما فرض اعتبارات مختلفة في التعاطي مع هذه الحرب، فإن التحدي الذي يطرحه الاحتجاج الشعبي أمام القوى السياسية لا يقل أهمية، وهي مطالبة بتبني محاربة الفساد وبناء بيئة قانونية سليمة لتحصين الدولة كعنوان للمرحلة المقبلة.

أن يكون برهم صالح كردياً مهدوراً، فلأن هناك أكراداً مهدورين كثر، ولأن الصراعات والتحديات الحزبية الكردية الداخلية، أعاقت الاستفادة في السنوات الأربع الماضية من دوره وعلاقاته وخبراته في منع ومعالجة العديد من تداعيات الأزمات بين اربيل وبغداد قبل وقوعها وتفاقمها وتهديدها الطرفين معاً، وأن يكون عراقياً مهدوراً أسوة بالكفاءات العراقية المهدورة، فلأن المؤسسات التنفيذية كانت ومازالت بحاجة إلى رؤية مختلفة في ادارة مرحلة ما بعد "داعش" بمشاركة أكثر فاعلية للمجتمع الدولي. وعملاً بمبدأ عدم التوقف أمام الأشخاص، يمكن الحديث عن ضرورتين:

الأولى: اشتراك الجميع في مسؤولية اختيار المناصب وعدم القبول بمبدأ أن ثمة منصب محتكر لحزب أو شخص.

والثانية: أن العراق بحاجة فعلية إلى قيادات كفوءة ومهنية قادرة على التصدي للمرحلة المقبلة.

تطبيق هذه الضرورات قد لا يكون سهلاً في ضوء إصرار الاحزاب على التعامل مع مؤسسات الدولة كغنيمة، ومع العراق باعتباره عقاراً تحت سلطة "القسام الشرعي"، لكن معاندة ارادة الشارع العراقي بمكوناته المختلفة لن يكون امراً سهلاً أيضاً.