كلمة البغدادي بعد خطاب العبادي: ماذا يعني النصر؟

وحيد عبدالمجيد |

«إن ميزان النصر والهزيمة عند المجاهدين أهل الإيمان والتقوى ليس مرهوناً بمدينة أو بلدة سُلبت، وليس خاضعاً لما يملكه المخلوقون من تفوق جوي، أو صواريخ عابرة، أو قنابل ذكية... إن كفتي هذا الميزان تخضعان لما يملكه العبد من يقين بوعد ربه، وثبات على توحيده وإيمانه، وإرادة حقة في قتال أعداء الدين».


هكذا حدد زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو بكر البغدادي مفهومي النصر والهزيمة، في تسجيل صوتي تحت عنوان «وبشر الصابرين»، تم بثه في 22 الشهر الماضي على صفحة مؤسسة «الفرقان» الإعلامية المؤيدة لهذا التنظيم.

بدا البغدادي، في هذا المقطع، وفي مقاطع أخرى، من كلمته الطويلة التي استغرقت 25 دقيقة، كأنه يرد على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ولكن بعد أكثر من ثمانية أشهر على خطاب النصر الذي وجهه في 9 كانون الأول (ديسمبر) 2017.

قال العبادي في ذلك الخطاب: «لقد أنجزنا المهمة الصعبة في الظروف الصعبة، وانتصرنا بعون الله وصمود شعبنا وبسالة قواتنا»... جزم العبادي بتحقيق نصر مبين، وخاطب العراقيين: «من حقكم أن تفخروا بنصركم، لأنه من صُنع أيديكم، فحافظوا على نصركم الكبير...». وقبل أن يختم هاتفاً «عاش العراق منتصراً»، أكد أن النصر الكبير يعني أن أرض العراق حُررت بالكامل: «نعلن لأبناء شعبنا، ولكل العالم، أن الأبطال الغيارى وصلوا إلى آخر معاقل «داعش»... وأن علم العراق يُرفرف اليوم عالياً على أبعد نقطة حدودية».

كان العبادي يرسم ما أسماه كاتب هذه السطور صورة نصر تم صنع مثلها من قبل في بلدان عربية تخضع لسلطة مطلقة أو فاشلة تعجز عن تحقيق اختراق أو إنجاز حقيقي (راجع: صورة «النصر» من بورسعيد إلى الموصل، «الحياة»، 20/7/2017).

لم يكن الأمر في حاجة إلى كثير من البحث لمعرفة أن النصر الذي زفه العبادي إلى العراقيين ليس إلا صورة صنعها، وأن النصر الحقيقي يصبح ممكناً عند إصلاح الاختلالات السياسية والاجتماعية التي تدفع الأفراد إلى اللجوء إلى انتماءاتهم الأولية (الدينية والمذهبية والعرقية والعشائرية، وغيرها)، خصوصاً حين يزداد خوفهم من سلطة تُرهبهم، أو يشتد يأسهم منها، وينحسر التفاعل الطبيعي العابر لهذه الانتماءات بينهم، فيزداد الميل إلى الانغلاق والتعصب، ومن ثم التطرف، وصولاً إلى العنف.

وفي مثل هذه الأحوال، يتعذر النصر الحقيقي على الإرهاب، لأن البنية الاجتماعية تخلق حواضن له، فيُعاد إنتاجه، ويتمكن فلوله المهزومون في معارك عسكرية من السعي إلى إعادة تنظيم صفوفهم، وتحييد آخرين، على النحو الذي تفيد مؤشرات عدة بأنه يحدث في العراق الآن.

وتُعد كلمة البغدادي، والرسائل المتضمنة فيها، أهم هذه المؤشرات حتى الآن. الكلمة في حد ذاتها نقطة تحول جديدة في مسار الإرهاب، والحرب عليه، بعد ثبوت أن البغدادي ما زال في قيد الحياة، ولم يُقتل، بخلاف ما ورد في أنباء نُشرت وبُثت مرات، وروجت مصادر روسية معظمها. كما لم يصبه الوهن بعكس ما جاء في روايتين كانت الثانية منهما قبل أقل من أسبوع على بث كلمته التي بدا فيها - أو ربما حاول أن يبدو - قوياً، ومُصمّماً على مواصلة المعركة، ومتحدياً ما قاله العبادي في خطاب النصر في نهاية العام الماضي.

فقد نشرت «وول ستريت جورنال» في 17 الشهر الماضي رواية منسوبة إلى إسماعيل العيثاوي القيادي في «داعش»، من داخل محبسه في العراق، عن آخر اجتماع شارك فيه، وحضره البغدادي في أيار (مايو) 2017، أي في الفترة التي بدأت دفاعات التنظيم في الموصل تنهار، وأخذ يتراجع، ويفقد في كل يوم مساحة من الأراضي التي سيطر عليها. ملخص رواية العيثاوي أن البغدادي كان واهناً ونحيفاً بوضوح لافت، وأن صوته كان متهدجاً يُسمع بصعوبة، وأن لحيته كانت أكثر شيباً.

ليس عاقلاً، في طبيعة الحال، من يصدق رواية منسوبة إلى شخص محبوس في سجن عربي. وهذا يفسر المسافة الواسعة بين صورة البغدادي فيها، وما يمكن استنتاجه من كلمته الطويلة التي سجلها لتوجيه رسالة مفادها أن المعركة لم تنته، وأن تنظيمه الإرهابي لم يُهزم، بل يقف موقف الند للولايات المتحدة التي زعم أن الحرب معها في الدرجة الأولى، وأن هذه «الحرب سجال، وما وضعت أوزارها».

فضلاً عن ذلك، بدا البغدادي في هذه الكلمة أكثر تطرفاً، وهو الذي كان الاعتقاد شائعاً بأنه بلغ في هذا التطرف أعلى مراتبه، وأكثر دموية. فقد دعا، في مناسبة عيد الأضحى التي بُث التسجيل خلاله، إلى «التضحية بكل علماني وملحد ومرتد محارب لله ورسوله»، أي قتل عامة الناس، مسلمين وغيرهم، أينما كانوا.

عاد البغدادي، إذاً، في أول تسجيل صوتي له منذ 28 أيلول (سبتمبر) 2017، أي قبل أسبوعين تقريباً على تحرير مدينة الرقة من قبضته، مُنذراً متوعداً لا لشيء إلا الرهان على أنه يستطيع استثمار سياسات النظام الذي وجه العبادي باسمه خطاب النصر، والنظام الذي قتل أكثر من ربع مليون سوري وهجّر ملايين العُزل، كونها تخلق «مظلومية سُنية»، وتُنتج من ثم بنية يمكن أن يجد فيها ما يُعينه.

والأرجح أنه من دون هذه السياسات، ما كان في إمكانه أن يجد ملجأ آمناً يُعتقد أنه في منطقة ما في البادية الواسعة التي يقيم مقاتلوه قواعد فيها، وينتقلون بين جانبيها العراقي والسوري، وينفذون عمليات إرهابية ضد أهداف متزايدة في الموصل وكركوك وديالى والأنبار، وفي دير الزور وصولاً إلى السويداء في 25 تموز (يوليو) الماضي.

لم تُحرّر أرض العراق كاملة، إذاً، بخلاف ما أكده خطاب النصر للعبادي، ولم يتحقق النصر المبين، ليس لأن «داعش» أقوى من أن يمكن الإجهاز عليه، بل لأن الشعب العراقي لم يُحرّر بعد من ظروف تزدهر في ظلها النزعات المذهبية، ويجد الإرهاب في تداعياتها مفارخ وحواضن يراهن عليها لتعويض ما يخسره. لذا، ربما لا تكون مجرد مصادفة اعتراف الناطق باسم البنتاغون شون روبرتسون بأن «داعش في وضع جيد لإعادة تنظيم صفوفه» قبل أربعة أيام فقط على بث كلمة البغدادي التي تحمل المعنى ذاته.