كأن طهران تبحث عمّن ينقذها من أفعالها

مصطفى كركوتي |

مع تغير معالم الحرب المستمرة في سورية يتضح كيف تُسهم موسكو في عملية لجم الحركة الإيرانية في سورية ومنها، وتُحكم قبضتها على دمشق بينما يجد نظام هذه الأخيرة حماية كافية في تحركه المدروس لاستعادة ما فقده من أراضٍ خلال سنوات الحرب الماضية لصالح قوى المعارضة المختلفة. ومع هذا التغير تصطف قوى إقليمية متعددة جاهزة للتنافس في ما بينها على ما تستطيع اكتسابه من نفوذ في مناطق الصراع.


الوضع الراهن يعزز من دون شك فرص نظام الرئيس بشار الأسد البقاء في السلطة لفترة أطول مما كان متوقعاً. فالأسد ينتعش مثلاً من سياسة إدارة دونالد ترامب تجاه الأزمة السورية، حيث لم يعد الرئيس الأميركي يطالب بتغيير النظام، بل أن إدارته تتحاور مباشرة مع كبار مستشاري أمن النظام وفق صحف إيرانية الهوى. وهكذا يفعل الرئيس الفرنسي ماكرون الذي كانت بلاده في طليعة الدول المطالبة برأس الأسد بعد انتفاضة درعا في ٢٠١١، إذ يقول الآن إنه لا يجد غضاضة في أن يستمر نظام دمشق في المرحلة المقبلة.

حتى اليمين الحاكم في إسرائيل لم يعد يُشكل قلقاً لنظام الأسد، حيث أكد رئيس وزرائه بنيامين نتانياهو أنه لم يعد لدى حكومته أي نوايا للإطاحة بنظام دمشق، إثر تأكيدات هذه الأخيرة تفهمها الواضح للقلق الإسرائيلي وضبط علاقاتها مع طهران وفق هذا التفهم. بل في الواقع أعلن نتانياهو في تموز (يوليو) الفائت في تصريحات له في موسكو «إننا سعداء مع النظام (في دمشق) إذ لم يطلق رصاصة واحدة باتجاهنا في مرتفعات الجولان (المحتلة) منذ التوقيع على اتفاق فك الاشتباك قبل أكثر من أربعين عاماً».

أضف إلى ذلك وجود خط اتصال مفتوح ومنتظم بين روسيا وإسرائيل لنقل المعلومات حول مطالب كل طرف من الآخر في شأن الوضع السوري، كذلك هو خط الاتصال بين نتانياهو والرئيس بوتين. فاللقاء الأخير بين الرجلين كان في تموز الماضي، وهو الثالث لهما في عام ٢٠١٨ وحده والتاسع بينهما منذ عودة الوجود العسكري الروسي لانقاذ نظام دمشق في ٢٠١٥.

الرئيس بوتين وفقاً لما نُشر في روسيا وإسرائيل طمأن نتانياهو إلى التزامه بمعالجة القلق الإسرائيلي إزاء النفوذ المتصاعد لإيران في سورية، إذ طالب هذا الأخير بسحب القوات الإيرانية من أراضي سورية ولكن وافق على عرض موسكو بحل وسط يقضي بانسحاب هذه القوات عن الجولان بحدود ٨٠ كيلومتراً. وأُعلن عن ضمانة شخصية قدمها بوتين إلى نتانياهو بالسيطرة على الحدود والحيلولة دون قيام أي قوى تابعة لإيران، بما في ذلك ميليشيا حزب الله، بتهديد أراضي إسرائيل.

وعلى رغم الخلاف الأميركي ـ الروسي الحاد في شأن اتفاقية الملف النووي، فهذا لا يمنع التنسيق بين واشنطن وموسكو حول مدى الانتشار الإيراني في سورية ما دامت روسيا هي اللاعب الرئيسي في هذه المنطقة الحزينة، إذ ترى موسكو ضرورة أن تتفهم طهران ضرورة التنسيق معها لضمان الهدوء في جنوب غربي سورية تنفيذاً لطلب الإدارة الأميركية وحكومة نتانياهو. هذا التحاور المتعدد الأطراف أقنع القيادة الإيرانية بالتفاهم الذي توصلت إليه موسكو مع إسرائيل وثمنه توفير شروط استقرار حكومة دمشق في المرحلة الراهنة.

هذا لا يعني أن الأسد كسب الحرب إذ أن الأزمة لم تصل إلى نهاياتها بعد. ما يجري عملياً هو دخول الحرب في منعطف فرعي عن مسارها وهي تدخل في مرحلة حرجة وخطرة. فالقوات المقاتلة بإسم النظام من بقايا جيشه وميليشيات مختلفة من لبنان وأقلية الهزارا من أفغانستان وباكستان ومرتزقة روس، بالاضافة إلى وحدات تابعة إلى «فيلق القدس» الإيراني، كانت تقاتل ضد قوات المعارضة المختلفة في جنوب البلاد. ولكن الدعم الأهم للأسد يأتي من الغطاء الجوي الروسي الذي يضمن ميل ميزان القوى لصالح روسيا.

الانتشار الإيراني على رغم أهميته لا يتوقف عند سورية بل يتصل بانطلاق هذا الانتشار في مساحات واسعة أخرى في المنطقة مباشرة بعد التوقيع على اتفاق الملف النووي في ٢٠١٥، إذ بدأ طريق نفوذه الخطر يصل إلى شواطئ المتوسط الدافئة ويتحقق نجاح «الحرس الثوري» بتأسيس قواعد إرهابية في مواقع عدة في المنطقة. وتقدر تكاليف هذا الانتشار للخزينة الإيرانية بنحو ١٦ مليار دولار سنوياً، تبلغ حصة نظام الأسد منها ١٥ ملياراً تنفق على تكاليف وحدات «فيلق القدس» التي توفر القدرات الاستخباراتية واللوجستية للنظام. كما يحصل «حزب الله» منها على نحو ٨٥٠ مليون دولار سنوياً، وينفق مبلغ ١٥٠ مليون دولار على نخب ميليشيا قوات «الحشد الشعبي» وتغطي الحكومة العراقية بقية تكاليف هذه القوات، فضلاً عن تمويل ما تحشده قيادة «الحرس الثوري» من نحو ٢٠ ألف رجل من أقلية الهزارا للقتال في سورية. كما يبلغ حجم مساعدات إيران لحركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة نحو ١٠٠ مليون دولار سنويا، فضلاً عن دعمها المباشر لقوى التمرد في منطقة الخليج، لا سيما ميليشيات الحوثي في حربها بالوكالة ضد دولها منذ ٢٠١٥.

إيران تنزلق بفعل سياستها الخارجية المغامرة والتوسعية نحو الخطر الحقيقي إثر ما تعكسه هذه السياسة على اقتصادها الوطني، إذ فاق التضخم فيها راهناً مستوى ٩٠ ألف ريال مقابل الدولار وما يسببه ذلك من ضائقة اقتصادية تنعكس مباشرة على المواطن العادي وتهدد حكومة الرئيس حسن روحاني.

الأكثر قراءة في الرأي