إلى أي حدّ يبدو عالمُنا أسوأ؟

محمد بدر الدين زايد |

مع تزايد شعور اليأس العربي بسبب استمرار الصراعات العربية والعجز عن التأثير الإيجابي في تطوراتها لأسباب كثيرة سبق تناول بعضها، ربما يفيد لاستكمال توضيح الأمور أن ننظر من منظور تاريخي أكثر شمولاً واتساعاً من دون أن يعني هذا أننا ننكر أنه من المفهوم أن ينظر المواطن العربي حوله ليشعر بتدهور متزايد في أوضاعه وأوضاع منطقته. فالصراعات والحروب المحتدة في أكثر من بلد عربي وآثارها الإقليمية والدولية واضحة للعيان، وربما يجد هذا المواطن بعض العزاء في نظرة للشؤون الدولية وما تحتويه من الكثير من التوتر، وعلى الأرجح سيشارك كثيرون حول العالم في قلقهم من سياسات اليمين الأميركي المتطرف بصبغته الترامبية وما تحدثه من توترات وأزمات كثيرة، فضلاً عن التحسب من شبح الحروب التجارية الدولية التي انتهت في مراحل تاريخية سابقة بمواجهات عسكرية وخسائر مادية وبشرية ضخمة. وربما يكون لديه كذلك الوعي بخطورة هذه السياسات الأميركية خصوصاً عندما تخلت عن اتفاقية باريس الخاصة بمكافحة التغير المناخي، والتي كان المتابعون الأكثر تخصصاً لا يعتبرونها حتى كافية للتعامل مع هذه التحديات الضخمة – أي تغير المناخ – وهي تحديات يعتبرها كثر من العلماء والخبراء أكبر خطر يهدد مصير البشرية والكرة الأرضية، وسنعود إلى ذلك في موضع آخر، على أن هذا كله قد لا يقدم عزاءً كافياً للمواطن العربي. وربما حتى النظر إلى الأمور في سياقها التاريخي الأشمل لا يكفي لعزاء المواطن العربي، ومع ذلك أظن أن هذا مهم لوزن هذه الأمور في حجمها الحقيقي. هنا ربما نحتاج إلى أخذ بعض الأبعاد في الاعتبار، أولها أننا في حاجة إلى تذكر أن البشرية لم تعرف سلاماً حقيقياً في أي مرحلة من تاريخها الطويل، وليس دقيقاً ما يطرحه البعض من أنه كانت هناك مراحل من الاستقرار في عهود سيطرة الإمبراطوريات الكبرى، أو ما يسمونه بالسلام الروماني أو الإسلامي أو البريطاني أو الأميركي. هذه قراءة متعجلة وغير دقيقة، فمن يدرس هذه العهود بدقة سيكشف هول هذه المبالغات وعدم دقتها، فقد كانت هناك في أعتى مراحل سيطرة هذه الإمبراطوريات حروب واضطرابات وربما ثورات ضد القوى المسيطرة أو مع أطراف أخرى، وأن ما يمكن أن نسميه سنوات أو مراحل سلام كانت بالمعنى المجازي، وكثيراً ما كانت فترات التحضير للصراعات والحروب التالية أو كانت تتخلّلها اضطرابات داخلية في شكل أو آخر.


من هنا، فافتراضات بعض المنظرين عن أن فترات الإمبراطوريات أكثر استقراراً من مراحل تعدد القطبية أو القطبية الثنائية ليست صحيحة، والعودة إلى آخر فترات التصدر الإمبراطوري ممثلاً في الحقبة الأميركية القصيرة التي تشهد التحولات الآن، كافية لمعرفة العدد الكبير من الصراعات الدموية التي شهدها النظام الدولي ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية.

وارتباطاً بهذا، نتفهم تأثير هذه المرحلة الانتقالية الدولية من حالة هيمنة قطب واحد إلى الحالة المقبلة غير المتبلورة بعد. من ثم، لم يكن السلام قائماً في السابق ولن يأتي بعد تبلور النظام الدولي المقبل، لكنه للأسف يصبح أبعد منالاً خلال المراحل الانتقالية الصعبة كالتي نعيشها الآن. من ناحية أخرى، من المعروف أن هناك مدرسة رئيسية في العلاقات الدولية تتحدث عن الفوضى في النظام الدولي أو أنماط التفاعلات الدولية، وتنطلق من نظرة واقعية أساسها غياب قواعد قانونية وسلطة سياسية مشابهة للدول، وهي مدرسة قديمة، تخلى عنها البعض مع صعود التنظيم الدولي، بخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، والحوكمة الدولية ومحاولات ترتيب المرافق والنشاطات المشتركة للبشرية عابرة الحدود، والتي حظي الكثير منها بالنجاح والتقدم. وعندما تصاعد حديث الديموقراطية وحقوق الإنسان، بخاصة بعد هلسنكي ثم بعد انتهاء الحرب الباردة وما سميَّ بربيع شرق أوروبا، ثم الشهور الأولى للربيع العربي، توهّم أنصار هذا التوجه أن النظام الدولي سيدخل مرحلة جديدة تتجاوز الفوضى إلى حالة مثالية. وجاءت تطورات العالم العربي من ناحية، ومن ناحية أخرى صعود ما يسمى بالشعبوية أو اليمين القومي المتطرف، لتهتز هذه التصورات، كونها مبنية على كثير من الأوهام. أولُها، أنه لا يمكن أن تنتج مثاليات حقيقية من التوظيف السياسي الغربي لقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان، وأن التحولات السياسية للشعوب يجب أن تتم من الداخل وفي شكل متسق مع التطور الاجتماعي الاقتصادي الثقافي للشعوب المختلفة. كما أن أعمال ما سميّ بنظرية الفوضى الخلّاقة من أجل إعادة ترتيب المجتمعات المختلفة، لا يمكن إلا أن تحقق تشوهاً في التطور السياسي لهذه المجتمعات. وإضافة مزيد من الفوضى إلى عالم تسوده الفوضى كفيلة بإحداث تحولات وصراعات غير قابلة للتحكم. والخلاصة، أن الفوضى كانت دوماً من مكونات التفاعلات الدولية، وأن التنظيم الدولي لم يتمكّن بعد من تغيير هذا التكوين، ومن ثم يمكن أن نضيف إلى ذلك أن الحالة الانتقالية للنظام الدولي والتي أشرنا إليها سابقاً، تضيف إلى حالة الغموض وعدم وضوح الرؤية التي تجتاح العالم ويزداد الشعور بها في عالمنا العربي حالياً مع تحوله إلى ساحة رئيسية لبناء النفوذ وكذا لهذه الفوضى. لم يكن هناك سلام عربي والاحتلال العثماني يجثم على المجتمعات العربية، ولم يكن المواطن العربي سعيداً، إذ كان يعيش في ظلام الفقر والتخلف، ولم تتحسن حاله كثيراً مع الاحتلالين الفرنسي والبريطاني بل زاد شعوره بالدونية والتخلف، وعندما تنفّس الصعداء برحيل هذا المستعمر مارس الخطأ والصواب وللأسف الخلاف وإضعاف الذات، الذي انتهى بهزيمة 1967.

وعاود الأمل مرة أخرى بعد حرب 1973، وشهدت المنطقة بعد ذلك جولات من السقوط ومحاولة التماسك، وكانت أول محاولة جادة لتقويض النظام الإقليمي العربي مع الحرب الأهلية اللبنانية التي تم احتواؤها، لكنها أنتجت تشوهات كثيرة في هذا النظام ووضعت بذرة التحول إلى نظام شرق أوسطي بدخول اللاعبين الإسرائيلي والإيراني في الشأنين اللبناني والعربي. ولأن حديثي اليوم ليس هدفه هذه الأبعاد وإنما الإشارة إلى أن المنطقة لم تهدأ في شكل حقيقي تقريباً معظم الوقت. فبعد ذلك، كانت الحرب الإيرانية - العراقية، ثم غزو العراق للكويت بتبعاته الضخمة، ثم الغزو الأميركي للعراق نفسه. وتخلل ذلك الكثير من المواجهات الإسرائيلية - اللبنانية والإسرائيلية - الفلسطينية المستمرة. ثم نأتي إلى موجة الثورات والحروب العربية الراهنة. ما أريد قوله ببساطة هو أننا لو راجعنا تاريخ السنوات السابقة على صراعات المنطقة الراهنة، فلن نجد سلاماً ولا استقراراً، وإن كان الفارق الرئيسي يتمثل في أمرين، أولهما تعدد بؤر الصراع في عدد من الأقطار العربية الرئيسية في أشكال تهدد استمرارية الدولة الوطنية، وهو ما بدأ مع غزو العراق منذ 2003، وكان هناك تأثير محدود للعالم العربي في أزمة العراق خلال مراحلها الأولى وربما حتى الآن. وثانيهما هو تزايد أخطار تقويض النظام العربي لمصلحة ذلك الشرق أوسطي. وفي كل هذه الخلفية التاريخية المؤلمة، كان تمزيق المنطقة، ومن ثم فإن ما نحن فيه الآن هو نتاج ما كنا فيه أمس، والخروج ليس مستحيلاً ولكنه لن يكون سهلاً.

* كاتب مصري