بين الكربون والسيليكون: الكيمياء ترعى التناغم بين ذكاءين

مستقبل لم يعد بعيداً: رقاقة في الدماغ (من موقع «كلاودإي نيوز.نت»)
أحمد شعلان |

كلما تصاعد الحديث غرباً وشرقاً عن الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، يعمد المختصون والمتابعون والخبراء إلى تذكير الجميع بأن ذكاء الآلات ليس سوى مشروع إنساني ضخم لتقليد ظاهرة الذكاء البشري. ومنذ بداياتها الأولى في خمسينات القرن العشرين، استندت فكرة إعطاء الآلات قدرة مصطنعة على «التفكير»، إلى نقل تجربة عقل الإنسان إليها. واشتهر عن أحد أبرز مؤسسي الذكاء الاصطناعي في منتصف القرن العشرين، هو عالم الرياضيات البريطاني الشهير ألان تورينغ، أنه وضع اختباراً لمدى تقدّم ذكاء الآلات يستند أساساً إلى قياس مدى تشابهها مع ذكاء البشر.


في أحد أوجه المقارنات المتشابكة للذكاءين، يبرز أن ما يمتلكه البشر يعتمد على عمل الدماغ، وهو عضو مكون من خلايا وأنسجة يحتل عنصر الكربون الركن الأساسي فيها. في المقابل، يعتمد ذكاء الآلات على الرقاقات الإلكترونية («مايكروشيبس» Microchips) المستندة إساساً إلى مادة السيليكون. بعبارة وجيزة، أحد أوجه المقارنة بين ذكائي البشر والآلات يعتمد على المقارنة بين مادتي الكربون والسيليكون، وهما عنصران كيماويان متوافران بغزارة في الطبيعة، بل هما من العناصر الكيماوية الأكثر شيوعاً فيها.

ويوجد في الطبيعة الكونية عناصرها ذريّة مختلفة التي تفوق المئة عنصر، ورتّبها العالم الكيميائي الروسي ديمتري مندلييف في العام 1870، في جدوله المعروف بـ «الجدول الدوري للعناصر الكيماويّة» Periodic Table. وآنذاك، رتّب مندلييف العناصر الكيماوية المكتشفة في زمانه ضمن 8 مجموعات رئيسية، ورُقّمت وفق العدد الذري للعناصر، أي عدد البروتونات (وهو يساوي أيضاً عدد الإلكترونات) في كل الذرة المفردة لكل عنصر كيماوي.

ومع مرور الوقت، عُدّل الجدول مرات عدة وأضيفت عناصر جديدة مكتشفة طبيعيّاً ومخبرياً، فيحتوي 118 عنصراً، يوجد 98 منها في الطبيعة، و20 مصنّعة في المختبرات العلمية، وتتصف عموماً بكونها غير مستقرّة.

ومنذ قرن ونصف، يستمر جدول ماندلييف الدوري للعناصر الكيماوية مرجعاً معتمداً في المناحي العلمية جمعيها بما فيها الكيمياء والفيزياء وعلم الأحياء والهندسة وغيرها من مجالات العلوم والتكنولوجيا.

وبمطالعة ذلك الجدول الدوري، تبرز أمام الأعين مفارقة مثيرة، إذ يتضح أن اثنين من تلك العناصر الكيماويّة، وهما الكربون والسيليكون المتصلان بذكاءي البشر والآلات على التولي، ينتميان الى العائلة نفسها في جدول مندلييف (= عائلة المجموعة الرابعة). هل هي مصادفة أنهما يتناغمان في صنع صفة الذكاء التي تعامل بوصفها تشريفاً ضخماً بالنسبة إلى البشر والآلات على حدّ واحد وسواء؟ الأرجح أن تلك «المصادفة» تحتاج إلى نقاش موسع يفيض عن مساحة المقال.

جينات ورقاقات

اتّخذ الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد «دماغه» في الحواسيب والهواتف الذكية على رقائق السيليكون، بعداً آخر مع تطوّر علوم النانوتكنولوجيا وتطبيقاتها وتقنياتها. وعلى رغم أن ذلك الذكاء السيليكوني هو وليد الذكاء الجيني البشري المستند إلى عمل أدمغة متشكلة من مواد عضويّة حيّة أساسها الكربون، يبدو أن الجنس البشري أمام مرحلة أقرب الى الخيال من تداخل الذكاءين في عملية عملقة العقل وقدراته. وثمة من يرى أن البشر ليسوا بعيدين من الوصول إلى زمن زراعة رقاقات إلكترونية نانوية ذكية مباشرة في أدمغتهم، بغية توسيع ميادين العقل الإنساني سواء في الذاكرة والحساب والرياضيات وتراكم المعلومات واستعادتها وترابطها وغيرها.

وهناك مفارقة طريفة تكمن في أن ذلك التناغم بين الذكاءين لا يعكس أصل العلاقة الملتبسة بين والديهما: الكربون (أبو الذكاء الطبيعي) والسيليكون (أبو الذكاء الاصطناعي).

إذ يسير الذكاء الطبيعي الجيني، وهو هدية الله للبشر، ضمن مسارات في الطبيعة الكونية مؤلّفة من مواد عضوية تتمحور حول ذرة الكربون، وهي تطوّرت تدريجياً على امتداد بلايين السنين. في المقابل، ابتكرت يد الإنسان انطلاقاً من ذرة السيليكون وخصائصها الكهربائية والضوئية. وعلى رغم أن هذين العنصرين ينتميان الى العائلة ذاتها، المصنّفة في الصف الرابع في لوح «مندلييف» للعناصر الذريّة، إلاّ أنهما يختلفان في الطبائع والصفات والسلوك بصورة جذريّة.

وفي ذلك السياق، يبرز أن الكربون هو أبو المواد العضويّة Organic Elements التي تتكون منها معظم تراكيب الكائنات الحيّة بامتياز. ويشتهر بأنه عنصر شائع في الطبيعة، بل هو الرابع في تشكيل مواد الكون بعد الهيدروجين والهيليوم والأوكسيجين. وفي الكرة الأرضية، ينتشر الكربون ملتحماً بالأوكسيجين، على غرار وجوده في الهواء على هيئة أوكسيدي الكربون الأول (فائق السميّة) والثاني (أساسي في تلوّث الهواء). وكذلك يترافق مع الأوكسيجين في التراب والأخشاب والأجسام الحية وغيرها. ويشتهر الكربون بأنه موجود في الفحم ورماد الأجسام المحترقة في حال غير متبلورة، لكنه يتوفر متبلوراً في حبات الألماس، أو مضغوطاً كألماس نادر في فصيل من النجوم يقال لها «الأقزام البيضاء» حيث يصل وزن كمية منها بمقدار فص الخاتم العادي، إلى ما يزيد على ألف طن!

لنتحدث عن الفيول والدماغ!

هناك شكـــل لوجود الكربون يثير اهتماماً كبيراً من علماء الكيــــــمياء والفيزياء. ويتمثل ذلك حال رخاميّة خـــاصة تســــمّى «غرافايت» يستخدمها العلماء في صــنع جدران الدعم والحماية حول المفاعلات النووية الانشطارية. كذلك استطاع العلماء حديثاً، في إطار بحوث علوم المواد والفيزياء النانوية، إنتاج مواد كربونية جديدة تستند تركيبة جزيئاتها المتشابكة على مصفوفات من عشرات (بل مئات) الذرات الكربونية مـــدمجة أو مـــشبوكة في جزيء مفرد! تمثّل مادة الـ»غرافين» إحدى تلك المواد، وهي عبارة عن كريستال ثنائي الأبعاد يمكن أن يصنع منها ألواح ميكروسكوبية لا تزيد سماكتها عن نانومتر الذي يساوي جزء من مليون من الميلليمتر.

وفي سياق متصل، يلاحظ أن الكربون يتوافر بغزارة في جزيئات تجمعه مع الهيدروجين حصرياً. ويؤسس ذلك الاتحاد بين العنصرين الرابع والأول، لعالم الفيول بأسره، بداية من غازات الاشتعال المنزلي مروراً بالكحول ووقود السيارات ومن غير انتهاء بأنواع الهيدروكربون ومخازنه المنتشرة في البر والبحر.

وهناك شكل آخر للكربون تمثّله مجمّعاته ذريّة يكون فيها متضافراً مع الهيدروجين والأوكسيجين وذرّات اخرى كالنيتروجين والفوسفور وسواهما. وعندما يضاف الماء إلى تلك المجمعات الذرية المتراكبة، يظهر عالمٌ من المواد العضويّة التي تستطيع وحدها استضافة الحياة ورفد المخلوقات الحية بمستلزمات البقاء والتطوّر، وصولاً الى الدماغ البشري المعقّد والذكاء الجيني البيولوجي. ويشكّل الكربون ما يزيد على عشرين بالمئة من وزن المخلوقات الحية التي تمتصه عبر الهواء كأوكسيد الكربون، لتعيد توزيعه في آلاف الجزيئات المكوّنة للخلايا والأنسجة الحيّة.

أبوّة ذريّة لـ «الآلات المفكّرة»

في عوالم صناعة المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة، يوصف السيليكون بأنه الأب الفعلي للذكاء الاصطناعي، باعتباره مازال المكون الرئيسي في الرقاقات الإلكترونية للكومبيوتر، حتى الآن.

ويشيع السيليكون في البيئة الطبيعية. ويشكّل المكوّن الثاني بعد الأوكسيجين، للقشرة الأرضية، بل أن ما يزيد على 75 بالمئة من قشرة سطح الأرض مكوّن من مادتي السيليكون والأوكسيجين. في منظار الانتشار الكوني الواسع، يشكل السيليكون العنصر الثامن الأكثر انتشاراً فيه، بعد الهيدروجين والهيليوم والأوكسيجين والكربون والنيون والحديد والنيتروجين. وفلكياً، يتصّنع السيليكون داخل القلب النووي المستعر لنجوم عملاقة تفوق كتلتها 8 أضعاف كتلة الشمس.

وعندما تنفجر تلك النجوم تضحي أفراناً كونيّة هائلة الحجم، وتوصف بأنها «مُستَعِرات عظمى» («سوبرنوفا» Super Nova)، وتتوزع أشلاء طبقاتها الخارجية في الكون، فتساهم في إثراء سُدُم النجوم والكواكب عبر رفدها بالمواد والمعادن الثقيلة.

وفي بيئة الأرض، يوجد السيليكون مؤكسداً على هيئة حبيبات رملٍ زجاجية المظهر، وهي تملئ الصحاري وشواطئ البحار والمحيطات، كما تلوذ إلى دواخل مجموعة كبيرة من الأحجار المتبلورة التي يسمى بعضها «أحجاراً كريمة». كذلك يتوفر السيليكون في حالات متميزة في كثير من أنواع النيازك المعدنية. ولطالما اغتسل الرمل أو ثاني أوكسيد السيليكون بمياه البحار من دون أن يتأثّر بها أو يتفاعل معها أو ينشئ بمساعدتها جزيئات مختلفة أو بنىً طبيعية مؤثّرة.

وبقي السيليكون مستلقياً على الشواطئ الرملية بلايين السنين، الى أن وصلت اليه اليد البشرية الاحترافية فاستخدمته أولاً في باطون البيوت والتعدين وبلاط السيراميك، ثم في صناعة الزجاج والخزفيات، وبلورات الإبصار، وفي الدهانات والعوازل الحرارية والأجهزة التي تتطلب حرارة عالية، ثم في خلايا انتاج الكهرباء من الطاقة الشمسيه، واللايزر، وصولاً الى الاجهزه الالكترونيه كافة. وكذلك يدخل السيليكون بنسبٍ ضئيلة ومحدودة جداً في تراكيب بعض أنصاف الموصلات الأخرى على غرار البورون والجرمانيوم والفوسفور والزرنيخ، وهي مستخدمة في صناعة الترانزستورات والخلايا الشمسية الفوتوفولتية وغيرها من المكوّنات الميكرو- إلكترونيّة الأساسية.

ويعتبر السيليكون واحداً من أكثر العناصر إفادةً للجنس البشري، إذ وصلت خدماته، عدا عن الميادين العلمية التي أثرت حياة البشر ورفّهتها، الى الطب الحديث، وبات يستعمل مادة مهمة في العمليات التجميلية، خصوصاً عبر زرعه تحت الجلد في أجساد البشر دون أن يتفاعل مع الأنسجة الحية أو يؤذي وظائفها. وفي معظم أشكاله الكيماوية، تتميّز جزئياته بأنها غير مسمة عموماً، باستثناء بعض أنواع أبرز مثال عليها هو الأسبستوس الذي تصنع منه ألواح الإترنيت والفيبرغلاس، وهو من المواد المواد المسرطنة.

والأرجح أنّ الاختراق الأكبر الذي حققه عنصر السيليكون تمثّل في عالم الذكاء الاصطناعي ودنيا الإلكترونيات والنانوتكنولوجيا وما يتصل بها، إذ صنعت بواسطته رقاقات ذاكرة الكمبيوتر وشاشات «أل سي دي» و «أل إي دي»، والدوائر الميكرو- إلكترونيه في الهواتف الذكيّة وغيرها. ويوماً بعد يوم، تصغر أحجام الرقاقات السيليكونية وتكبر سعتها الرقمية، وتتسع إمكاناتها، وتتنوع طرق الاستفادة من ذكائها الاصطناعي. وربما يشهد المستقبل القريب زراعة مباشرة لأنواع مبتكرة من تلك الرقاقات الذكية في دواخل دماغ البشر بغية عملقة العقل والتفكير البشري.

وكخلاصة، تبرع الطبيعة الكونية في رعاية «توازن» بمعنى ما بين عنصرين من مكوناتها الذريّة المختلفة التي تزيد عن المئة. ويبزر في ذلك السياق، نوع من التناغم بين الكربون والسيليكون يساهم إثراء حياة البشر وعملقة ذكائهم. واستطراداً، من المرجح أنّ لكل عنصر ذرّي دوراً مكيناً في البناء الكوني، وما على المتابع سوى السعي إلى مزيد من التبصّر والبحث والإنتظار لاكتشاف آفاق تلك العناصر وتجلياتها في الطبيعة وحياة البشر.

* رئيس «الهيئة الوطنية للعلوم والبحوث»