مصر والعودة إلى تصدير الغاز المسال: الأبعاد الجيوستراتيجيّة

وليد خدوري |

أعلن وزير البترول المصري طارق الملا، أن مصر مستعدة لإعادة تصدير الغاز المسال في كانون الثاني (يناير) المقبل، بعدما اضطرت لاستيراد الغاز المسال من الأسواق العالمية مدة 7 سنوات لسد العجز المحلي. وتوقفت الصادرات مع الفوضى التي سادت اضطرابات «الربيع العربي» وللنقص الذي طرأ على الاكتشاف والإنتاج للخلافات الاقتصادية بين الحكومة والشركات. وتبدأ إعادة تصدير الغاز المسال بعدما وقّعت مصر عقوداً طويلة الأجل مع كل من إسرائيل وقبرص لاستيراد الغاز، وبعد اكتشاف حقل «ظهر» وتطوير حقل «دلتا غرب النيل».


وأضاف الملا في تصريح لصحيفة «الوطن»، أن السياسة المصرية تعطي الأولوية للطلب في السوق الداخلية، بدلاً من التصدير، ولم يتم تحديد رقم معين لحجم الصادرات، ما يعني واقعياً أن مصر ستعتمد على استيراد الغاز في المستقبل المنظور للاستمرار في إعادة تصديره.

لماذا هذه السياسة التي تعطي الأولوية للاستهلاك المحلي وفي الوقت ذاته تستورد الغاز، تحديداً من إسرائيل، لإعادة تصديره؟ الهدف الأول تفادي شح السلع الأساس داخلياً، وتفادي تجربة السنوات الأخيرة حين سُجلت انقطاعات يومية للكهرباء، ما تسبب بخسائر فادحة للاقتصاد الوطني. والهدف الثاني محاولة تعظيم الأرباح من خلال تشغيل مصانع باهظة الكلفة. وتحاول مصر عبر هذه السياسة، الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الداخلي من خلال الاكتشافات الضخمة.

وتستطيع مصر بهذه الطريقة أن تصبح المحور الأساس لصناعة الغاز الشرق المتوسطية. وفي الوقت ذاته، تستفيد الدول الإقليمية المصدرة، أي إسرائيل وقبرص وغيرهما، لاحقاً من تصدير الفائض المحدود الحجم لإمدادات الغاز المتوافرة لهم التي تفيض حاجتها عن طلب السوق الداخلية، والتي سيكلف تصديرها إلى أسواق بعيدة، مثل أوروبا، أثماناً باهظة لا يمكن جني الأرباح الكافية منها، نظراً إلى أن سعر الغاز الواصل إلى أوروبا لن يستطيع منافسة أسعار الغاز من الدول المصدرة الرئيسة، أي روسيا وقطر والجزائر.

وسيفرض توافر إمدادات محدودة من الغاز لدول شرق المتوسط على هذه الدول التعاون في مشاريع مشتركة، على رغم الصراعات السياسية بينها. ويكمن وراء هذه الفرضية خلق تعاون اقتصادي واسع مع إسرائيل، وتطبيع العلاقات الاقتصادية ليس فقط ما بين الدول المعنية، بل أيضاً مع الشركات الإقليمية الضخمة. ويُنفذ هذا الانفتاح الاقتصادي مع إسرائيل في وقت يتم فتح بعض الأسواق في الدول العربية الأخرى لها، وفي وقت تستمر إسرائيل في قضم الأراضي الفلسطينية، ضم شرق القدس، وتوطيد سياسات الفصل العنصري والاستيطان.

وتحاول مصر جاهدة ترشيد كل من استهلاك الغاز وزيادة طاقتها الإنتاجية لتصبح مكتفية ذاتياً بحلول نهاية العام الحالي. وإلى جانب زيادة الإنتاج من حقل «ظهر»، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية القصوى نحو 29 بليون متر مكعب سنوياً، هناك زيادة الإنتاج من حقل «دلتا غرب النيل» الضخم، وذلك في ظل رفع الدعم وزيادة الأسعار المحلية للغاز الذي يزيد استهلاكه نحو 5 في المئة سنوياً. ويبلغ عدد سكان مصر نحو 105 ملايين نسمة، ويستعمل الغاز في توليد نحو 85 في المئة من الطاقة الكهربائية، إضافة إلى أنه الوقود المفضل للصناعات الثقيلة.

ويشمل الاتفاق الإسرائيلي - المصري موافقة شركتي «ديليك للحفريات» الإسرائيلية و»نوبل إنرجي» الأميركية على تصدير نحو 64 بليون متر مكعب من الغاز سنوياً من حقلي «تامار» و «لفيتان» لمدة 10 سنوات بقيمة 15 بليون دولار. وتستلم الغاز شركة «دولفينوس القابضة» المصرية لإيصاله إلى محطات التسييل، وسيتم نقل جزء من هذا الغاز عبر خط أنبوب عسقلان - العريش الذي كان يُستعمل حتى عام 2011 لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، ثم سيتم عكس وجهة الصادرات. وعلى رغم أن الاتفاق هو بين شركات تجارية، إلا أن من الواضح أنه لم يكن في الإمكان عقده من دون موافقة الحكومات المعنية ودعمها. وتكمن أهمية موافقة مصر على استيراد الغاز الإسرائيلي لإعادة تسييله ثم تصديره، في مساعدة الشركات العاملة في الحقول الإسرائيلية للحصول على ضمان إضافي لتأمين قروض من المصارف العالمية لتطوير حقول ضخمة، أي «تامار» و»لفيتان». فالشركات العاملة في الحقول البحرية الإسرائيلية صغيرة الحجم، وتطوير «تامار» و»لفيتان» يحتاج نحو 30 بليون دولار.

ومن دون عقود بيع وشراء، لا تقدم المصارف العالمية هذه القروض الضخمة للتطوير، كما أن إسرائيل أخفقت في الحصول على عقد تصدير مع أي دولة أوروبية حتى الآن، ما يعني أن التصدير إلى الأسواق العربية ساعدها على تمويل تطوير حقولها. ويتوقع أن يستمر التعاون الغازي المستقبلي ويتزايد بين دول شرق المتوسط، وليس من المستغرب أن يمتد هذا التعاون إلى دول عربية أخرى مستقبلاً، لأن الاكتشافات الغازية في شرق المتوسط حتى الآن لا تزال محدودة نسبياً، إذ بالكاد تكفي لتلبية الاستهلاك المحلي لكل دولة.

وفي الوقت ذاته، فإن الاستثمار في مصانع تسييل الغاز الجديدة يكلف عشرات بلايين الدولارات، وتشييد خط أنابيب بحري من شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية يكلف أيضاً بلايين الدولارات. وبما أن اقتصادات دول المنطقة محدودة الإمكانات، فالاتجاه المتوقع هو المشاركة في التصدير عبر خطوط أنابيب مشتركة بدلاً من منفردة، ما سيؤدي إلى خلق تعاون اقتصادي ضخم بين إسرائيل والدول الغازية المجاورة، وتحديداً بين الشركات الكبرى في المنطقة التي لديها الإمكانات المالية والهندسية الضخمة.

ويتوقع أن يؤدي هذا التعاون إلى خلق تطبيع سياسي واسع النطاق ملائم لتطوير صناعة الغاز الإقليمية ولإضافة عنصر جديد على عملية التطبيع الإسرائيلية - العربية الجارية حالياً. لكن هذا التطبيع الاقتصادي يأتي في الوقت الذي تقضم إسرائيل أراضيَ فلسطينية جديدة وتشرع قوانين الفصل العنصري وتشييد المستعمرات والمستوطنات في الضفة الغربية. وهذه السياسات التي استفزت المواطنين الفلسطينيين والعرب، تتنافى مع أهداف التطبيع الاقتصادي، ما قد يؤدي إلى تأخير بعض المشاريع أو تجميدها.

*كاتب عراقي متخصص في شؤون الطاقة.