«أونروا» وملف اللاجئين تحت عصي أميركيّة

قرب مركز لتوزيع الإعانات تديره «أونروا» في خان يونس (رويترز)
رام الله، القاهرة، عمان - محمد يونس، «الحياة» |

على رغم أن قرار وقف الدعم الأميركي لـ «وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين» (أونروا) لم يكن سراً بل كُشف قبل أيام، إلا أن وقعه كان شديداً بين الفلسطينيين لدى إعلانه رسمياً أمس، كون موضوع «أونروا» يطاول ملف اللاجئين، الذي يُعد من الثواب الوطنية، وكون القرار يعكس تجاوب الإدارة الأميركية مع المطالب الإسرائيلية بإنهاء الوكالة الدولية، مثلما تجاوبت سابقاً في موضوع الاعتراف بالقدس «عاصمة لإسرائيل»، ولأن القرار يأتي في إطار الغضبة الأميركية على السلطة الفلسطينية ومحاولة معاقبتها لرفضها المضي في «صفقة القرن» الأميركية للسلام.


ولم يتوقف رد الفعل الفلسطيني عند الإدانة، بل أعلنت السلطة الوطنية أنها تدرس التوجه الى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لمواجهة القرار الأميركي، في وقت حذّر مسؤولون في الوكالة من أنهم قد يضطرون الى وقف برامج وخدمات حيوية في المخيمات الفلسطينية، وتقليص خدمات أخرى الى الحدود الدنيا نتيجة توقف الدعم الأميركي. وفيما لاقى القرار تنديداً عربياً ودولياً، أعلنت إسرائيل أنها تدعم وقف التمويل الأميركي للوكالة، لكنها ستبحث عن طرق أخرى لتمويل مشاريع إنسانية فلسطينية بعيداً من الوكالة.

وجاء القرار الأميركي في وقت متقدم من مساء الجمعة - السبت، عندما أعلنت وزارة الخارجية أنها لن تقدم أي مساهمات لمساعدة «أونروا»، علماً أن الولايات المتحدة تُعد أكبر مساهم للوكالة، وتقدم ثلث موازنتها البالغة 1.1 بليون دولار عام 2017. وسارعت إسرائيل الى الترحيب بالقرار، ونقلت القناة العبرية العاشرة عن مسؤولين في مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، قولهم إنه سيتم البحث في طرق بديلة لدعم المشاريع الإنسانية والحياتية للسكان الفلسطينيين في شكل كاف. وأضافت: «إن آلية عمل (أونروا) هي إحدى المشكلات الرئيسة التي تديم الصراع»، مشيرة الى أن «الأموال ستحال على جهات أخرى ستستفيد منها في شكل أفضل، وستضمن رفاهية اللاجئين، وليس إدامة قضيتهم».

وسيكون للقرار الأميركي مفعول مدمر على الخدمات التي تقدمها «أونروا»، إذ أوضح الناطق باسم الوكالة عدنان أبو حسنة لـ»الحياة»، أن تقليص الدعم الأميركي، إضافة الى العجز القائم، يُهددان برامج الوكالة، خصوصاً التعليم، مشيراً الى وجود 530 ألف تلميذ في مدارس الوكالة في كل من قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسورية. وقال إن أكثر من نصف هؤلاء الطلاب في قطاع غزة.

وسبق أن تسبب تقليص الدعم الأميركي بتوقف برامج الطوارئ في الوكالة، والتي تتضمن برنامج المساعدات الغذائية لمليون لاجئ في غزة. وأكد أبو حسنة أن هذا البرنامج سيتوقف نهاية الشهر الجاري. وتبلغ قيمة الدعم المالي الذي أوقفته الإدارة الأميركية للوكالة 360 مليون دولار سنوياً، وكانت الوكالة قبله تعاني من عجز مالي مقداره 217 مليون دولار، وبذلك يرتفع العجز المالي بداية العام الجديد الى نصف بليون دولار، وفق أبو حسنة.

وفي إطار رد الفعل، أعلن الناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة في بيان، أن القيادة الفلسطينية تدرس التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لمواجهة القرار الأميركي، محذراً من أن يؤدي هذا القرار الى «تفجُّر الأمور». وأضاف: «أونروا تأسست بقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، وينص على استمرار دورها حتى حل قضية اللاجئين». وحذّر من أن «القرار الأميركي لا يخدم السلام، بل يعزز الإرهاب في المنطقة»، مشيراً الى ردود فعل متوقعة بين اللاجئين على قرار يرونه معادياً لحقهم في العودة وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

ودعا أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، المجتمع الدولي الى رفض القرار الأميركي وإدانته، وتقديم كل ما هو مطلوب من مساعدات لـ «أونروا» لتمكينها من الاستمرار بالنهوض بمسؤوليتها تجاه اللاجئين، فيما قال وزير الخارجية رياض المالكي إن القرار لن يؤدي أبداً إلى تفكيك الوكالة وتهميش ملف اللاجئين الفلسطينيين، كما يأمل الرئيس دونالد ترامب وإدارته. وأضاف: «إن ردود الفعل المباشرة من وزير الخارجية الألماني (هايكو ماس) ومن ممثلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي (فيديريكا موغيريني) وغيرهما من المسؤولين، هي أكبر إثبات على أن المجتمع الدولي لن يخذل الوكالة واللاجئين». وأشار الى أن فلسطين ستعمل على التنسيق الوثيق مع المملكة الأردنية في شكل رئيس لحماية الوكالة و»دورها الريادي» حتى تحقيق «حق العودة» أو التوصل الى اتفاق مقبول، وفق مبادرة السلام العربية.

وفيما حذر وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي من «الانعكاسات الخطرة على الاستقرار الاقليمي» ما لم تتمكن «أونروا» من تقديم الخدمات لنحو خمسة ملايين لاجئ فلسطيني، استنكر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط القرار الأميركي الذي قال إنه يفتقر للمسؤولية والحس الإنساني والأخلاقي، مُحملاً واشنطن المسؤولية عما سيلحقه هذا القرار من أضرار كبيرة باللاجئين.

كما حض الاتحاد الاوروبي الولايات المتحدة على إعادة النظر في «قرارها المؤسف»، وقال ناطق باسم مفوضية الاتحاد الأوروبي في بيان إن القرار «يخلف فجوة كبيرة». وأضاف أن «الولايات المتحدة لعبت دوماً وستستمر في لعب دور أساسي في أي جهد لتحقيق السلام في الشرق الأوسط»، كما أن «الاتحاد الأوروبي سيواصل الانخراط مع الولايات المتحدة وشركائها الاقليميين والدوليين الآخرين للعمل نحو هذا الهدف المشترك».