بين «البائع» و«المشتري» مهر وشقة مستأجَرة... وطفلة ملّت الفقر

القاهرة – أمينة خيري |

اتفق البائع والشاري على توريد بضاعة في مقابل مادي. لكن بعد ساعات معدودة، اختفت البضاعة، فما كان من الشاري إلا أن توجّه إلى قسم الشرطة ليحرر محضراً يطالب فيه إما بإعادة البضاعة أو رد ثمنها البالغ 125 ألف جنيه مصري.


ويكتمل المشهد بظهور البضاعة في قسم الشرطة، حيث سلّمت لصاحبها وتنازل عن الشكوى.

وعلى رغم أن المثل الشعبي يقول إن «بين البائع والمشتري يفتح الله»، إلا أن قواعد البيع والشراء في هذه الحالة شذّت عن القاعدة، فـ «البائع» أب مصري، و «الشاري» زوج عربي، والبضاعة صبية لم تبلغ الـ18 سنة، أي لم تبلغ سن الزواج الذي يحدده القانون. إلا أنها بلغت سن الحلم بالخروج من الفقر، ولو كان ذلك في مقابل ملابس جديدة لم تقتنها من قبل، وشقة مؤجرة في منطقة «الفيلات» في مدينة بنها لم تحلم بأن تعيش فيها، ناهيك عن 125 ألف جنيه أودعها «الشاري» في المصرف باسمها، تُعد بالنسبة إليها ولأسرتها غاية الأمل والمنتهى.

وعلى رغم انتهاء الأزمة الأسبوع الماضي بتسليم الفتاة نفسها في قسم الشرطة حيث ردّت إلى الزوج الذي يكبرها بعقدين، وتنازله عن المحضر وتصالحه مع الأب، إلا أن الأزمة الحقيقية مستمرة.

الصبية البالغة 17 ربيعاً أفادت في مركز شرطة طوخ (محافظة القليوبية) أنها فرحت بالملابس والشقة والحساب المصرفي لظنها إنها ودّعت الفقر، لكنها فوجئت بزوج شرس «ينهشني مثل الحيوان»، فقررت الهروب. غير أن دخول الزواج العرفي ليس كالخروج منه. وظنت العروس إن هروبها أعادها إلى المربع صفر، لكن ذلك كان خيالاً ووهماً، إذ خرجت من قسم الشرطة في كنف الزوج. صحيح أن أنباء ترددت عن التحقيق مع الأب في قسم الشرطة، لكن الأب حر طليق، و»الزوجة الطفلة» في كنف الزوج.

الزوج والأب وقطاعات من الشرطة وفئات عريضة في المجتمع المصري، لا يزالون وعلى رغم أنف القانون ومرور 18 عاماً من الألفية الثالثة، يؤمنون بأن زواج الطفلة أمر شخصي لا يهم سوى الأسرة ولا ينبغي أن يتدخّل فيه أحد سوى من يهمهم الأمر. العجيب والمريب أن العروس في غالبية زيجات الطفلات لا تعتبر ضمن من يهمهم الأمر.

ودائماً يتحوّل الأمر من انتهاك لحق بالطفلة واتجار بالبشر وتعدٍ على براءتها وحقها في التعليم وتقرير مستقبلها، إلى شماعة الفقر الشاسعة مترامية الأطراف. فالأب قال في التحقيقات إنه مزارع بسيط ولا يفقه شيئاً في أمور التعليم (يقصد القانون)، وإنه سبق وزوّج إحدى شقيقات العروس الطفلة مرتين بهذه الطريقة ولم تحدث مشكلة.

المشكلة الحقيقية هي أن المسألة كانت ستقتصر على كونها رجلاً دفع مهراً في مقابل أنثى، لكن هربت الأنثى وراح المهر، ما استوجب تدخّل الشرطة لاستعادة الحق الضائع، إما الأنثى أو المهر، وذلك لولا تدخّل المجلس القومي للطفولة والأمومة، الذي استأنف نشاطه بعد طول غياب، فقد خاطب المجلس النائب العام والمحامي العام لنيابات شمال بنها وقطاع حقوق الإنسان في وزارة الداخلية للتحقيق في الواقعة.

وجاء تحرّك المجلس بعد تلقيه بلاغاً على خطه الساخن الأسبوع الماضي يطالبه بالتدخّل، بعدما انتشرت أخبار «العروس الطفلة» ودور الشرطة الغريب بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

ووصفت الأمين العام للمجلس الدكتور عزة العشماوي مطالبة الزوج والد الطفلة أمام الشرطة باسترداد العروس أو قيمة المهر، بأنها إساءة لكرامة الطفل وحقوقه، كما تُعد جريمة اتجار في البشر، وتستوجب تحريك دعوى جنائية لتعريض حياة طفلة للخطر، وفقاً لأحكام قانون مكافحة الاتجار بالبشر الصادر وفق القانون رقم 64 لسنة 2010، والمادة 291 من قانون العقوبات، وبالمخالفة لأحكام قانون الطفل (رقم 12 سنة 1996 المعدّل بالقانون رقم 126 سنة 2008).

ووفقاً لبيانات التعداد السكاني الصادرة في عام 2017، فإن واحدة بين كل 20 فتاة مصرية ممن تتراوح أعمارهن بين 15 و17 سنة، إما متزوجة أو سبق لها الزواج. وتشير ورقة السياسات الصادرة عن منظمة «يونيسيف» في القاهرة قبل أسابيع تحت عنوان «القضاء على زواج الأطفال»، أن العوامل الثلاثة الرئيسة لانتشار زواج الطفلات في مصر، لا سيما في الريف، هي «التسرّب المدرسي، الفقر، والمعتقدات الثقافية التي تعمّق التفرقة بين الجنسين».

ويمكن القول إن العامل الأخير هو الأصعب، بل إن استمراره وتعمّقه يساهمان في زيادة الفقر والتسرّب من التعليم وأحياناً عدم الالتحاق بالمدرسة أصلاً.

الأب في أقواله أكد أنه لم يخطئ، فقد تزوجت ابنته «على سنة الله ورسوله (ص)»، وذلك بعقد وإشهار حيث حضر الجميع. صغر سن الابنة، أو فرصها في التعليم والعمل، أو اختياراتها ليست في الحسبان أساساً. صحيح أنه احتمى بـ «الفقر» مرات في دفاعه عن زواج الصغيرة، لكنه ومن حوله لم يخطر في بالهم لحظة أنه ربما الإنجاب المتواتر أصلاً يقوّي شوكة الفقر التي يهرب منها بـ «بيع» الصغار بورقة زواج عرفي و125 ألف جنيه وشقة مستأجرة.

ويظل زواج الأطفال يشكّل مشكلة كبرى للجميع باستثناء أصحابها أنفسهم والمتسببين بها. أهل الصغيرة ومن حولهم يعتبرون زواجها أمراً ميموناً، سواء بغرض السترة أو التخلّص من مصاريف معيشتها أو لضمان مقدار إضافي من المال للأسرة لتشيّد طابقاً إضافياً في البيت، أو تشتري «توك توك» يعمل عليه الإخوة الذكور أو لشراء قطعة أرض أو ما شابه. وتزيد المسألة تعقيداً في ظل تنامي دور الآراء الدينية التي تؤكّد أنه يمكن، بل من المستحسن، تزويج الفتاة ما أن تبلغ، وإن كانت في التاسعة. وعلى رغم أن هذه الآراء لا تخرج على الملأ، لكنها تجد جمهوراً كبيراً متابعاً في الأحياء الشعبية والريف. كما أن العامل الثقافي المصري الذي يجعل من زواج الطفلة أمراً عادياً وضمن عادات وتقاليد متوارثة منذ مئات السنين، لم يجد ثقافة مغايرة تواجهه أو تدحضه.

وتشير ورقة «يونيســـيف» إلى صــعوبة تغيير المــمارسات والمعتقدات المجتمعية، ويحتاج الأمر إلى تهيئة الفرص للتغيير السلوكي والمجتمعي للتصدّي لهذه الظاهرة وتغيير الأعراف، بمشاركة أصحاب الشأن وقادة الرأي مثل رجال الدين، لا سيما أولئك الذين يفتون بحرمان تنظيم الأسرة وضرورة تزويج الطفلة، ولا يتطرقون إلى بيعها أو مقاضاتها بحساب مصرفي.