الطب والمرض النفسيان في مجتمعاتنا... وصمة عار نخفيها

قلّة المعرفة السبب وراء هذا التخبّط والضياع (سيدي)
دمشق - إيمان أحمد ونوس |

لا شكّ في أن المجتمعات العربية عموماً لا تنظر إلى علم النفس أو الطب النفسي بتقدير أو احترام واهتمام. ولأن هذا أحد مظاهر تخلّفها، كان لا بدّ لنا من تسليط الضوء على هذا الموضوع عموماً، والوضع السوري خصوصاً مع أستاذة علم النفس الجامعية السورية المقيمة في الولايات المتحدة ريم شطيح، عضو شبكة الرائدات العربيات، ومديرة لفرعها في أميركا. وكانت زارت بلدها الأم أخيراً وقدّمت محاضرات وشاركت في لقاءات تلفزيونية ومقابلات صحافية.


وقدّ عرّفت شطيح علم النفس بأنه الدراسة العلمية لسلوكات الكائنات الحية، خصوصاً الإنسان والعمليات العقلية لديه. وأشارت إلى أن الطب النفسي هو فرع من فروع الطب المختص في دراسة الاضطرابات النفسية وتشخيصها وعلاجها. أما الصحة النفسية فهي توافق نفسي وإجتماعي وثقافي.

واعتبرت شطيح أن أسباب قلة اهتمام المجتمعات العربية بالعلم والطب النفسيين وحتى المختصين في هذا المجال، مرّدها إلى الموروث الثقافي الذي يعود إلى مئات السنين، حيث كان يُنظَر إلى الاضطراب النفسي على أنه مسّ من الجِن أو السحر أو الأرواح الشريرة، ولجهلهم بتشخيصه أو فهمه عزوه إلى الجِن والسحر، فكانوا يأتوام بالسَّحَرة والمُشعوِذين لعلاج الحالات والاضطرابات النفسية ظنّاً منهم أنهم قادرون على علاج هذه الحالات، فأصبح المريض النفسي كأنه يحمل وصمة عار إذا عُرِف بمرضه. كما تعد قلّة المعرفة السبب وراء هذا التخبّط والضياع، بالتالي قلّة المختصين وأدوات التشخيص والإمكانات الطبية والعلمية عموماً وعدم تقدير الحالات النفسية وما يمكن أن تسبّبه للإنسان إذا لم تُعالَج. ولعب رجال الدين دوراً سلبياً جداً في هذا الصدد فتدخّلوا كثيراً وأثّروا في الناس ليأتوا بالمرضى إليهم فيدّعون شفاءهم لإبقاء السيطرة عليهم. وهناك عامل آخر يتمثّل في الحرص على عدم إفشاء أسرار العائلة، حيث يُتوقَّع من مريض الحالات النفسية أن يتكلّم عن تفاصيل حياته بما فيها البيئة والمحيط والعائلة وكل ما له علاقة بحياته وحالته. كذلك لعب الإعلام في السابق دوراً سيئاً في ترسيخ النظرة القاصرة والسلبية عن المرض والاضطراب النفسيين.

ولا تتعجّب شطيح من أن أكاديميات وأكاديميين يلوذون بالسحر والشعوذة في حلّ المشكلات والأزمات التي تعترضهم، لأنهم نِتاج الموروث الثقافي عينه، و «هم مقيَّدون بقيود كثيرة أيضاً أهمها العادات والأعراف الاجتماعية وعدم وجود قانون يحميهم ليكملوا دورهم في العلاج والإرشادات. والناس في المجتمعات التي تشعر فيها بالعجز عن التغيير والإصلاح، لا تحب الحقيقة، لأنّ الحقيقة في حاجة إلى فِعل بعدها، لعمل شيء ما تجاهها، والناس لا يريدون غالباً فعل شيء أكثر من الشكوى، وهم غير قادرين في أحيان كثيرة بسبب القيود والضغوط المجتمعية والقانونية غير الداعمة. ولأن المعالج النفسي لا يملك الصلاحية لطرح الحلول الحقيقية إذا كانت تمسّ بالوضع العائلي للمريض أو بمعتقداته، أو لعجز المريض عن تنفيذ الحلول».

عموماً، إذا ما تناولنا الموضوع من وجهة نظر رسمية، نجد أن التعامل الحكومي مع هذا العلم لا يزال بدائياً أو في حدوده الدنيا، بدليل عدم وجود دراسات وأبحاث متعلّقة بالموضوع في الحالة الطبيعية ولا حتى في الحروب والأزمات، ويستتبع هذا نقص كبير في علماء النفس العرب، والأطباء النفسيين في بلداننا عموماً، ما يطرح السؤال عن المطلوب مستقبلاً، لا سيما في سورية التي أضنتها أعوام الحرب السبعة.

تعزو شطيح أسباب هذا الوضع المُذري إلى العوامل ذاتها المذكورة سابقاً، إضافة إلى عدم اهتمام الحكومات بالمواطن سواء نفسياً أو طبياً عموماً وللتحكّم فيه. وبما أن المجتمع السوري عاش حرباً امتدت على مدار أعوام سبعة ولا تزال محتدمة في بعض المناطق، لذا يستدعي هذا الوضع رصد حالة الأفراد مدنيين وعسكريين والاهتمام وعمل الحكومة والهيئات الأكاديمية كالجامعات والمستشفيات وسواها على تعميم أهمية دراسة الحالات النفسية للناس عموماً وضحايا الحرب خصوصاً، ونشر ثقافة علم النفس والطب النفسي والعلاج النفسي وأهميتها في المناهج الدراسية حتى الجامعات.

والأطفال هم الأكثر تضرراً من الحروب والكوارث والأزمات بسبب بنيتهم النفسية الهشّة، لا سيّما من فقد منهم أباً أو أماً أو الاثنين معاً. فهم يحتاجون، وفق شطيح، إلى عناية واهتمام وتطمين لحاضرهم ومستقبلهم، ومؤسسات تتبنّى رعايتهم وتأمين تعليمهم وحاجاتهم لتقويتهم ليكونوا جيل المستقبل الواعد.

ونظراً إلى الآثار النفسية الناجمة عن تعرّض سوريات للخطف والاغتصاب، والنظرة إليهن في مجتمع تقليدي محافظ، وكيفية مساعدتهن وإدماجهن مجدداً، خصوصاً أن المرأة المسؤول الأول والأخير عن الأسرة، تحض شطيح على تغيير الثقافة المجتمعية المتوارَثة لإزالة النظرة السلبية إلى المرأة التي تتعرّض للخطف أو الاغتصاب والتوقّف عن إدانة الضحية. وترى أن مفتاح تطوّر المجتمعات إنسانياً هو تشريع العدل، والعدل في أن يعاقب الجاني المغتصِب أو الخاطِف أو المتعدّي عموماً، ومساعدة المظلوم أو الضحية. وعلى المرأة السورية خصوصاً والعربية عموماً، أن تضاعف جهودها لتستطيع الاستمرارية والحصول على حقوقها ومطالبة الحكومات بقوانين عادلة تنصفها وتعطيها حقّها ومعاقبة كل من يدينها في حال كانت ضحية، وفتح أبواب العمل للنساء المعنَّفات أو ضحايا الحروب والاغتصاب.

وتوضح شطيح أن منظمة الصحة العالمية عرّفت الإنسان السليم بأنه الخالي من الأمراض العضوية والنفسية، من هنا «أوجّه رسالة إلى الحكومات أولاً كونها صاحبة القرارات والسلطة العليا في المجتمعات، وإلى الإعلام العربي لأنه المؤثّر المباشر والمروِّج لأفكار كثيرة، وإلى الناس جميعاً أن يهتمّوا أكثر بصحّتهم النفسية وبالأمراض والاضطرابات النفسية جدّياً ويزوروا نساء ورجالاً وأطفالاً المعالج النفسي أو الطبيب النفسي كزيارتهم أي طبيب آخر».

وتبدي شطيح ارتياحها إلى حجم تفاعل الحضور في الندوات واللقاءات التي شاركت فيها، والاهتمام الكبير والأسئلة والنقاش الذي كان يحدث بعد كل محاضرة مباشرة. ولمست تعطّش الناس للكلام الفاعل الحقيقي الذي يرصد همومهم ومشكلاتهم وحالاتهم النفسية، كما أنهم متعطِّشون لمحاضِرين يجيبوا عن أسئلتهم الكثيرة ويوصلوا المعلومة العلمية وغيرها بطريقة سهلة وقريبة. وتعتقد أنّ محاضراتها فتحَتْ الباب أمامهم لتسليط الضوء على علم النفس والحالات النفسية للناس عموماً. وتتوقع أن يلعب علم النفس والمعالجون النفسيون دوراً وحيّزاً قريباً جداً في سورية.

وتصف شطيح المعالج النفسي الحقيقي بـ «صديق المريض، والشعب عموماً يحتاج إلى صديق وليس فقط إلى معالج أو طبيب».