«الجانب الآخر من الريح» فيلم عن كلّ شيء ولا شيء

كتب إبراهيم العريس |

بعد نحو ثلث قرن من رحيله، يعود أورسون ويلز إلى واجهة الأحداث السينمائية. وذلك تحديداً بفضل فيلم لم يستكمله في حياته أبداً حاول إنجازه قبل ما يقرب من نصف قرن، لكن الظروف المالية لم تمكنه من إنجازه قط، فاكتفى يومذاك بتجميع أربعين دقيقة من مشروع كان يتعين أن يكتمل في ساعتين. يومذاك، وضع الدقائق الأربعين في مختبر باريسي ونسي المشروع تماماً. اليوم ها هي «نتفليكس» تموّل عملاً ينطلق من بقية ما تبقى لتقدم الفيلم بتوليف جديد وموسيقى جديدة اشتغل عليها ميشال ليغران سراً طوال شهور، وقُدّم في عرض أول في مهرجان البندقية، على أن تُطلِق الفيلم في العروض المنزلية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.


في مهرجان البندقية، أحب البعض النتيجة، وأثارت اشمئزاز البعض الآخر. لكن المهم في الأمر أن «الجانب الآخر من الريح» نزل فجأة من مرتبة الأسطورة إلى العالم المعتاد لتاريخ السينما. فهو طوال فترة غيابه أُسطر كثيراً، كما حال مشروعات كثيرة في تاريخ أصحابها من كبار سينمائيي العالم لم تكتمل قط. وكان ثمة دائماً من يرون أن من الضروري ألا تكتمل أبداً في غياب أصحابها. ومنذ عقود عدة، مثلاً، كتب جوزف ماكبرايد، كاتب سيرة ويلز: «أعرف أن هذا الفيلم سيعود إلى الظهور ذات يوم وسيكتمل، لكنني أفضل ألا يحدث ذلك. يجب أن يبقى في متحفه!».

في ذلك الحين، ولمناسبة عرض للدقائق الأربعين التي كان ويلز أنجزها، قال المخرج جون هستون – الذي قام بنفسه ببطولة الفيلم في شخصية مستوحاة من إرنست همنغواي – إنه لم يشاهد العرض «لكن البعض أحب ما شاهده، والبعض الآخر نفر منه». ولكن، ما دخل ماكبرايد وهستون وهمنغواي في ذلك كله؟

الجواب بسيط: كلهم حاضرون في الفيلم كما في حياة أورسون ويلز نفسه. والفيلم – الذي هو في نهاية الأمر فيلم داخل الفيلم – يجمع بين ممثليه كما بين العاملين فيه، نحو دزينتين من أشخاص كانوا يشكلون بيئة أورسون ويلز الحاضنة في شكل أو في آخر. فلأن «الجانب الآخر من الريح» أضحى فيلماً عن السينما الهوليوودية يسخر منها ويؤسطرها في آن واحد - بعدما كان أول الأمر، منذ أوائل الستينات وانتحار إرنست همنغواي، مشروعاً تصوَره ويلز عن هاوٍ عنيد لمصارعة الثيران - لأنه كذلك، بدا في نهاية الأمر وطوال السنوات الست التي انكبّ ويلز عليه خلالها، كأنه وعاء يستوعب كل ما كان في إمكان المخرج العبقري والطموح أن يضعه فيه: من سيرته الذاتية المواربة – حتى إن كان ينكر ذلك - إلى عشيقته في ذلك الحين أويا كادار التي ورثته في نهاية الأمر، ونالت من «نتفليكس» خمسة ملايين دولار في مقابل العودة الراهنة إلى المشروع، مروراً ببيتر بوغدانوفتش وهستون وماكبرايد... وكثر غيرهم، إضافة إلى حكايات و «خبريات» كانت تظهر لديه بغتة يوماً بعد يوم. وربما كان هذا الحشو الغريب هو الذي جعله، حينذاك، مشروعاً لا ينتهي بالنظر إلى أنه أسفر عن كونه المشروع السينمائي الأكثر ارتجالية في تاريخ الفن السابع. فطوال ست سنوات، كان ويلز يُغير ويبدل في المشاهد، في الشخصيات، في الحوارات، بل حتى في الاتجاه العام للفيلم، بحيث يقول كاتبو سيرته أنه لئن بقيت أربعون دقيقة مكتملة على يد ويلز ونحو عشر ساعات في حاجة إلى «منجّم مغربي» ليضم مشاهد منها إلى بعضها بعضاً، كان من المستحيل على ويلز في النهاية أن يكمل المشروع حتى لو توافر له المال اللازم.

طبعاً، لا يمكننا في هذه العجالة أن نقول عن «الجانب الآخر من الريح» كل ما نريد قوله، وسنترك هذا لمناسبة أخرى نكون فيها قد تمكنا من مشاهدة النتيجة المثيرة للجدل التي قُيّض لجمهور مهرجان البندقية مشاهدتها على وقع موسيقى ميشال ليغران قبل يومين، وفي انتظار ذلك نتساءل: لو كان أورسون ويلز بيننا وشاهد النتيجة على شاشة البندقية، هل كان سيتعرف إلى مشروعه؟ أو كان سيتنهّد كما فعلنا قبل عقود من اليوم، آسفين حزينين في مهرجان موسكوفي حين عُرض لنا فيلم «فلتحيا المكسيك!» لإيزنشتاين مرمّماً مستكملاً على أيدي «ورثة» العبقري السوفياتي بعد خمسين سنة من اختفاء ما كان إيزنشتاين صورّه من لقطات مكسيكية، وقلنا: يا ليت ما أنجزه إيزنشتاين لم يُدنّس، وبقي في المتحف على حاله!