ألبرتو جياكوميتي العائد دوماً... فنان «الوجودية» المجروحة

باريس - أسعد عرابي |

ما زالت معارض ألبيرتو جياكوميتي (1901- 1966) تتقاطر في متاحف العاصمة الفرنسية، الواحد تلو الآخر، متزامنة، متقاطعة المحاور خلال موسم العام الراهن، وبما يتناغم مع أهمية ريادته للحداثة العبثية في النحت والتصوير والرسم. أما المعارض المقارنة فما هي إلا ذريعة للغوص في غور الجرح السيزيفي الذي تعبر عنه شهادته. وهذا ما قاد نحت القرن العشرين منذ الخمسينات نحو هاوية العبث واللاجدوى الإحباطية الإنسانية، وأفضليته الأسلوبية للفراغ والعدم على الإمتلاء والوجود.


ابتدأ العقد بمعرضه المقارن مع بابلو بيكاسو (في متحف الثاني) أعقبه تظاهرة نظيرة في متحف الفن المعاصر لمركز بومبيدو. تتعقّب الصداقة الفنية بينه وبين بالتوس وديران. ثم الإحتفاء التحليلي في الثنائية الإبداعية التشكيلية الأدبية ما بين جياكوميتي وجان جانيه في متحف مايول.

وفي هذا السياق، تُقيم اليوم «مؤسسة معهد جياكوميتي» (تأسست قبل خمسة عشر عاماً من أجل توثيق أعماله ودراستها العميقة في مركز بحوثها)، المعرض البانورامي الإستعادي لأعمال جياكوميتي (يستمر حتى نهاية هذا العام)، وهو يرتبط بسابقه بحيث يتعلّق حميمية محترف أحد أشهر فناني «مونبارناس». ينتبذ المعرض فرعاً متواضعاً من الحي بحيث لا تتجاوز مساحته الأربعة والعشرين متراً، نطالع تفاصيله للمرّة الأولى في المعرض الراهن، بحيث أعيد تشييده بأمانة تفصيلية ليكمل موقع مؤسسة معهد جياكوميتي التي تصل رحابتها حتى ٣٥٠م٢. أعيد هيكل المحترف كما كان قبل وفاته.

وخلال تلك الفترة العصيبة، حاولت زوجته آنيت، اقتناءه ولم تفلح في ذلك لضيق أحوالها المادية. آثرت من ثمّ أن تنقل بقاياه حفاظاً على ذكراه، ابتداءً من جداره الموشوم بألوانه وانتهاءً بأعقاب سجائره، مروراً بفراشه وفراشيه وأزاميله وأنابيب الصباغة وغيرها، هي التي تعبق بعبقريته الإبداعية. ناهيك عمّا بقي من منحوتاته و لوحاته ورسومه التي لم تكن بقيت في حينها بعد. تتضاعف حميمية هذا المكان وآثاره الباقية عندما نتذكر كتاب جان جانيه بعنوانه الصريح: « محترف ألبرتو جياكوميتي» الذي صدر عام ١٩٥٨، قبل أن يترجم أدبيّاً إلى مسرحية عبثية وجودية. كان جان بول سارتر قام بتعريف جياكوميتي على جان جانيه في ١٩٥٤، فنشأت بين الإثنين علاقة صداقة واحترام إبداعي متبادل، وهو ما يفسر اختيار «علاقتهما» موضوعاً لإحياء المعرض السابق ذكره في متحف مايول. كان جانيه على قناعة بأن فن جياكوميتي أشد أصالة وريادة من أي نحات معاصر له بما فيه بيكاسو وبرانكوزي.

يرى جانيه شخوصه المتقشّفة النحيلة العجفاء الممشوقة أشد تعبيراً عن الجرح الوجودي الإنساني الشمولي الأعمق غوراً في الروح والجسد. يقارن بعض النقاد منذ بدايته تقزيم الكائنات الحية بصورة «الإنسان الصرصار» هي التي ابتدعها الوجودي الأول دستويفسكي، «كرسائل من أعماق الأرض» أو «مذكرات العالم السفلي» عام ١٨٦٤ في روسيا. و يُجمع الكثير (آخرهم روجيه غارودي في كتابه «واقعية بلا ضفاف») بأن جياكوميتي الوجودي الوحيد بين الفنانين، يقابل سارتر في «الوجود والعدم» ويقابل البير كامو في «سيزيف». تتأكد هذه المقاربة مع تأمل كائنات المعرض المنحوتة أو المصوّرة أو المرسومة، على غرار «المشّاء» أو الرجل الذي يمشي بقدريّة وعبثية وتسليميّة مطلقة، شأنه شأن «الكلب» النحيل الهائم على وجهه في أحد دروب الحرب العالمية الأولى، بطيء الخطى، متهالك القوى بسبب المجاعة. أو حتى البورتريه النصفي المنخور لرأس جان جانيه من النحت.

تعتمد أزاميله وفراشيه على التدمير أكثر من البناء، بحيث تبدو كتل شخوصه العدمية وكأنها فراغ يفصل كتلتين، أو كتلة منخورة متآكلة تقع بين فراغين. تتجلى في تصويره فكرة صراع السالب مع الموجب (الأسود مع الأبيض) بحيث تُحسم المعركة لمصلحة السالب أو المعدوم أو الملغى، المدمّر أو الممحي بسبب تراكم عملية المحق والإفناء. من المعروف أن هذه الطريقة الشبحية استلهمها منذ بداياته من تمثال «غوديا» الكاهن الأكادي بنسخه المتعددة المحفوظ في متحف اللوفر، والمنحوت من الديوريت القاتم الذي كان يستورد من عمان لسهولة نحته، ولخصائص بريقه الفني، هو الذي تتداخل في تأثيره البصري الوهمي للسالب مع الموجب (النيغاتيف والبوزيتيف)، ناهيك عن قزميّة منحوتاته على رغم نحولها، أكبرها الموجود في متحف المتروبوليتان في نيويورك بتوصية منه.