ترجمة الشعر أمام جدار الخيانات المتعددة

عبد المقصود عبدالكريم |

ترجمة الشعر إشكالية كبرى؛ عمل شاق وملتبس ومحفوف بالمخاطر. وتختلف الإشكالية والمخاطر باختلاف أنواع الشعر، الملحمي والمسرحي والغنائي، ويقتصر الكلام هنا على الشعر الغنائي، أو القصيدة. وإذا كانت الترجمة، عموماً، خيانة، فإن ترجمة الشعر خيانات متعددة. والخيانة، كما أستخدمها هنا، ليست فعلاً سلبياً بالضرورة. والأمر الثاني في ترجمة الشعر هو الاعتماد على الموهبة. إذا كانت أشكال الترجمة كافة تعتمد على الدراسة: دراسة لغتين على الأقل ودراسة أصول الترجمة، فإن ترجمة الأدب عموماً، والشعر بخاصة، تحتاج إلى الموهبة بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى الدراسة، بالطبع.


حين يتحدث محمد عناني، وهو أكاديمي بارز ومترجم كبير، عن ترجمة الشعر ويبدأ حديثه بالكلام عن «ترجمة الإيقاع في الشعر»، وينهي كلامه بـ: «... أتصور أن الإيقاع عنصر جوهري من عناصر الشعر الإيجابية. إن الوزن أياً كانت صورته أساس من أسس الشعر، ولن يهتز إيماني بذلك طالما كان في العالم مَن يكتبون الشعر المنظوم. أما إذا مالَ معظم الشعراء المجيدين إلى كتابة النثر، لا قدرَ الله، وقد يسمونه نثراً شاعرياً أو شعرياً أو شعراً منثوراً أو نثرياً، فسأعيد النظر في موقفي على ضوء إبداعاتهم العجيبة». ويخلص بالتالي إلى أنه «إذا كان مترجم معنى الكلام يسعى إلى إيجاد الكلمة العربية التي تنقل معنى الكلمة الإنكليزية، فإن مترجم الشعر يحاول أو نحن نتوقع منه أن يحاول إيجاد الإيقاع الذي ينقل معنى الإيقاع في اللغة المنقول منها». من الطبيعي أن أختلف مع الأستاذ الأكاديمي، فأنا ابن مفاهيمَ مختلفةٍ تماماً. لكن الغرابة، كل الغرابة، تكمن في أنني أتفق معه؛ نعم، أتفق معه في ضرورة ترجمة الشعر شعراً، لكن في طيات هذا الاتفاق تكمن الاختلافات؛ حول مفهوم الشعر ومفهوم الترجمة. في البداية أوضح نقطة الاتفاق. حين أتحدث عن ضرورة ترجمة الشعر شعراً، أقصد أن يكون النص المترجم إلى العربية نصاً شعرياً. وهنا يبدأ الاختلاف: يتحدث الأستاذ الأكاديمي عن الإيقاع والوزن، ويعني الوزن غالباً، إن لم يكن دائماً، ويُفهَم هذا من التطبيقات التي يقوم بها، وأرى النص شعراً، إذا كان شعراً، أي إذا كان يحمل إيقاعاً شعرياً ولغة شعرية، حتى لو خلا من الوزن، والقافية بالطبع. حين نفصل الإيقاع عن المعنى نقتل الشاعر، أقصد القصيدة.

في ترجمة الشعر يمكن أن نتحدث عن طرفين وما بينهما. الطرف الأول: ترجمة معنى القصيدة بأقصى دقة ممكنة مع تجاهل الإيقاع الشعري وطبيعة اللغة الشعرية. وهنا نقترف خيانة واضحة، إننا نخون طبيعة الشعر، ولا يمكن أن يكون النص المترجم، في هذه الحالة، شعراً. والطرف الثاني: أن نحاول ترجمة القصيدة إلى قصيدة عربية موزونة، سواء طبقاً للتفعيلة أو طبقاً لمعايير الوزن الخاصة بالقصيدة العمودية. وعلينا أن نتذكر أن هناك الكثير من هذا النوع الأخير من الترجمات. وهنا نقع في خيانات عدة. الخيانة الأولى بالطبع تطويع المعنى للوزن، والاضطرار غالباً إلى الجور على المعنى لمصلحة الوزن. وتتمثل الخيانة الثانية في أن الإيقاع العربي التقليدي له تاريخه ومناخه وتداعياته ويستدعي غالباً بيئة عربية خالصة، إن لم أقل بيئة بدوية. وهنا علينا أن نتذكر أن بعض المترجمين، وكان بعضهم شعراء بارزين، حوّلوا بعض الشعراء الأوروبيين إلى شعراء من البادية العربية، بالوزن والقافية واللغة التي استخدموها في الترجمة. وهنا يتم إفساد مناخ القصيدة تماماً، أو قتلها، إذا كان يمكن أن تسمى قصيدة في هذه الحالة. فكثيراً ما تكون الترجمات من هذا النوع مجرد نظم مدرسي ركيك، يذكرنا بالنظم التعليمي.

لنتفق أولاً على أمرين. الأول: إن ترجمة الشعر موهبة، أي أنها تحتاج إلى مترجم يتمتع بموهبة في الترجمة وموهبة شعرية، من دون أن يكون بالضرورة شاعراً، وربما حتى أفضل ألا يكون شاعراً، وأن يكون شخصاً يتمتع بحاسة شعرية ويجد متنفسه في ترجمة الشعر. والأمر الثاني: إن القصيدة وحدة واحدة تتكون من معنى وإيقاع يعبران عن حالة وجدانية أو يخلقان حالة شعرية معينة، وفي الحديث عن ترجمة الشعر ينبغي ألا نفصل بين العناصر الثلاثة، المعنى والإيقاع والحالة التي تحملها القصيدة. هذه العناصر تمثل وحدة واحدة لا يمكن فصلها. وإذا استخدمتُ لغة الكيمياء تمثل هذه العناصر مركباً طبيعته مختلفة تماماً عن العناصر المكونة له. والأمر الثاني بالغ الأهمية، ويرتبط بالأول، لأنه لا يمكن لمترجم أن ينقل العناصر الثلاثة في صورة مركب إن لم يكن موهوباً، في الترجمة وفي الشعر.

وأعود الآن إلى ما بين الطرفين اللذين أرفضهما تماماً. يمكن تحديد نمطين مناسبين لترجمة الشعر يقعان بين هذين الطرفين. النمطان عنوانهما الخيانة، ويتميز النمط الأول بخيانة المترجم لنفسه، والنمط الثاني بخيانة المترجم للشاعر الذي يترجم شعره. في النمط الأول يخون المترجم نفسه، أي يخون أفكاره عن الشعر وعن القيم الجمالية التي يعتنقها في شأن الشعر لمصلحة أفكار الشاعر وقيمه الجمالية، ويبرع في هذا النمط مَن يتمتعون بموهبة وحدس شعري، وليسوا من الشعراء غالباً، إذ يندر أن يترجم المترجِم، إن كان شاعراً، طبقاً لهذا النمط. ويمثل عبدالغفار مكاوي هذا النمط في أجلى صوره. وفي الحقيقة تعود فكرة خيانة المترجم لنفسه للصديق الشاعر عبد المنعم رمضان. وقبل أن أنتقل إلى النمط الثاني، وربما مقدمة لانتقالي إليه، أذكر أن عبدالمنعم قال لي إن صديقنا الشاعر السبعيني رفعت سلام حوّل ولت ويتمان، حين ترجمه، إلى شاعر سبعيني، فقلتُ له، وبدا أنه يتفق معي، وهذا ما فعله أدونيس وما فعله سعدي يوسف، إذ يبدو الشعر الذي ترجمه أدونيس وكأنه شعر أدونيس، وتبدو القصائد التي ترجمها سعدي يوسف لولت ويتمان وكأنها قصائد سعدي. وهذا بالضبط ما أريد أن أقوله عن النمط الثاني، ويمكن أن يكون عنوانه خيانة المترجم للشاعر الذي يترجم قصائده. لكن هل من قبيل المصادفة أن تكون الأمثلة التي قدمتُها للنمط الثاني لشعراء؟ الشعراء نرجسيون بطبيعتهم، يعشقون أنفسهم ويصعب عليهم خيانتها. لكن هل تكفي النرجسية لتفسير الأمر برمته. أظن أن السبب الأكثر موضوعية يكمن في أن الشاعر حين يترجم شاعراً يختار شاعراً يتواءم مع روحه ومعتقداته الفنية، ويختار القصائد الأكثر تواؤماً معها.

وفي الخلاصة؛ يمكن الحديث عن طرفين في ترجمة الشعر، طرف تمثله الترجمة الدقيقة نثراً، بكل معنى الكلمة، وطرف تمثله الترجمة الموزونة، والطرفان مرفوضان تماماً، وإن يكن لأسباب مختلفة، وربما حتى متناقضة. ويبقى النمطان، نمط خيانة المترجم لنفسه، ونمط خيانة المترجم للشاعر الذي يترجمه، النمطين الأكثر ملاءمة، والأكثر شيوعاً لحسن الحظ، في ترجمة الشعر، وهما نمطان يحتاجان إلى الموهبة في المقام الأول، وإلى نوعين مختلفين من الخيانة. وأميل ذهنياً إلى تفضيل النمط الأول، على رغم أنه يمكن وضع ما ترجمتُه من شعر ضمن النمط الثاني، إذ أشعر غالباً أنه شعري، ربما بالقدر نفسه الذي يشعر به الشاعر بأن الشعر الذي كتبه شعره. ويبقى أن أكرر أنني لا أستخدم كلمة الخيانة بالمعنى السلبي، إنها ضرورة حتمية من ضرورات الترجمة الأدبية، وبخاصة ترجمة الشعر.